الشيخ الطبرسي
453
تفسير مجمع البيان
المسارعة إلى الكفر ، وإذا كان ذلك قد خلقه فيهم ، فكيف يصح نسبته إليهم ؟ ثم استأنف تعالى الإخبار بان من اشترى الكفر بالإيمان ، وهم جميع الكفار بهذه الصفة فقال : ( إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان ) أي : استبدلوا الكفر بالإيمان ، وقد بينا فيما تقدم أن إطلاق لفظ الشراء على ذلك مجاز وتوسع ، وإنما شبه استبدالهم الكفر بالإيمان بشراء السلعة بالثمن ( لن يضروا الله شيئا ) إنما هذا لأنه إنما ذكر ذلك في الآية الأولى على طريقة العلة لما يجب من التسلية عن المسارعة إلى الضلالة ، وذكر في هذه الآية على وجه العلة لاختصاص المضرة بالعاصي دون المعصي . والفرق بين المضرة والإساءة أن الإساءة لا تكون إلا قبيحة . والمضرة قد تكون حسنة إذا كانت مستحقة ، أو على وجه اللطف ، أو فيها نفع يوفي عليها ، أو دفع ضرر أعظم منها ( ولهم عذاب أليم ) أي : مؤلم . ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين [ 178 ] ) . القراءة : قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : ( ولا يحسبن الذين كفروا ) ، ( ولا يحسبن الذين يبخلون ) ، ( ولا يحسبن الذين يفرحون ) كلهن بالياء وكسر السين وكذلك ( فلا يحسبنهم ) بضم الباء وبالياء وكسر السين . وقرأ حمزة كلها بالتاء وفتح السين وفتح الباء من ( يحسبنهم ) . وقرأ أهل المدينة والشام ويعقوب كلها بالياء إلا قوله ( فلا تحسبنهم ) بالتاء وفتح الباء ، إلا أن أهل المدينة ويعقوب ، كسروا السين وفتحها الشامي . وقرأ عاصم والكسائي وخلف ، كل ما في هذه السورة بالتاء إلا حرفين ( ولا يحسبن الذين كفروا ) ، ( ولا يحسبن الذين يبخلون ) فإنهما بالياء غير أن عاصما فتح السين ، وكسرها الكسائي . الحجة والاعراب : من قرأ بالياء فالذين في هذه الآي في موضع الرفع بأنه فاعل . وإذا كان الذين فاعلا ، ويقتضي حسب مفعولين ، أو ما يسد مسد المفعولين ، نحو : حسبت أن زيدا منطلق ، وحسبت أن يقوم عمرو ، فقوله تعالى : ( إنما نملي لهم خير لأنفسهم ) قد سد مسد مفعولين اللذين يقتضيهما ( يحسبن ) " وما " يحتمل أمرين أحدهما : أن يكون بمعنى الذي فيكون تقديره : لا يحسبن الذين كفروا أن الذي نمليه لهم خير لأنفسهم والآخر : أن يكون ما نملي بمنزلة الإملاء ، فيكون