الشيخ الطبرسي

443

تفسير مجمع البيان

الجهاد وفي نصرة دين الله . ( أمواتا ) أي : موتى ، كما مات من لم يقتل في سبيل الله في الجهاد ( بل أحياء ) أي : بل هم أحياء . وقد مر تفسيره في سورة البقرة عند قوله : ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات ) ( 1 ) الآية . وقوله : ( عند ربهم ) فيه وجهان أحدهما : إنهم بحيث لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا ، إلا ربهم . وليس المراد بذلك قرب المسافة ، لأن ذلك من صفة الأجسام ، وذلك مستحيل على الله تعالى . والآخر : إنهم عند ربهم أحياء من حيث يعلمهم كذلك دون الناس ، عن أبي علي الجبائي . وروي عن ابن عباس وابن مسعود وجابر أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال : " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها " . وروي عنه أنه قال لجعفر بن أبي طالب ، وقد استشهد في غزاة مؤتة : " رأيته وله جناحان يطير بهما مع الملائكة في الجنة " . وأنكر بعضهم حديث الأرواح ، وقال : الروح عرض لا يجوز أن يتنعم . وهذا لا يصح ، لأن الروح جسم رقيق هوائي ، مأخوذ من الريح ، ويدل على ذلك أنه يخرج من البدن ، ويرد إليه ، وهي الحساسة الفعالة دون البدن ، وليست من الحياة في شئ ، لأن ضد الحياة الموت ، وليس كذلك الروح ، وهذا قول علي بن عيسى . ( يرزقون ) من نعيم الجنة ، غدوا وعشيا . وقيل : يرزقون النعيم في قبورهم ( فرحين بما آتاهم الله من فضله ) أي : يسرون بما أعطاهم الله من ضروب نعمه في الجنة . وقيل : في قبورهم . وقيل : معناه بما نالوا من الشهادة وجزائها ( ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) أي : يسرون بإخوانهم الذين فارقوهم ، وهم أحياء في الدنيا ، على مناهجهم من الإيمان والجهاد ، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا لحقوا بهم ، وصاروا من كرامة الله إلى مثل ما صاروا هم إليه ، يقولون : إخواننا يقتلون كما قتلنا ، فيصيبون من النعيم مثل ما أصبنا ، عن ابن جريج وقتادة . وقيل : إنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من تقدم عليه من إخوانه ، فيسر بذلك ، ويستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا ، عن السدي . وقيل : معناه لم يلحقوا بهم في الفضل ، إلا أن لهم فضلا عظيما بتصديقهم وإيمانهم ، عن الزجاج . ( أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) أي : يستبشرون بأن لا خوف عليهم ، وذلك لأنه بدل من قوله : ( الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) لأن الذين يلحقون

--> ( 1 ) أي في ص 433 .