الشيخ الطبرسي
444
تفسير مجمع البيان
بهم ، مشتملون . على عدم الحزن . فالاستبشار هنا إنما يقع بعدم خوف هؤلاء اللاحقين ، ومعناه : لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم ، لأن الله تعالى يتولاهم ، ولا هم يحزنون على ما خلفوا من أموالهم ، لأن الله قد أجزل ما عوضهم . وقيل معناه : لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه ، لأن الله محص ذنوبهم بالشهادة ، ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا ، فرحا بالآخرة . ( يستبشرون ) يعني هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله ، الذين وصفهم الله بأنهم ( يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ) . ( بنعمة من الله وفضل ) الفضل والنعمة عبارتان يعبر بهما عن معنى واحد . قيل في تكراره قولان أحدهما : إن المراد أنها ليست نعمة على قدر الكفاية من غير مضاعفة السرور واللذة . فالنعمة ما استحقوه بطاعتهم . والفضل ما زادهم من المضاعفة في الأجر والآخر : إنه للتأكيد ، وتمكين المعنى في النفس ، والمبالغة . ( وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) أي : يوفر جزاءهم . وإنما ذكر ذلك ، وإن كان غيرهم يعلم ذلك ، لأنهم يعلمونه بعلم الموت ضرورة . وإنما يعلمونه في دار التكليف استدلالا ، وليس الاستدلال كالمشاهدة ، ولا الخبر كالمعاينة . فإن مع الضرورة والعيان ، يتضاعف سرورهم ، ويشتد ارتباطهم . وفيه دلالة على أن الثواب مستحق ، وأن الله لا يبطله البتة ، وأن الإتابة لا تكون إلا من قبله تعالى . ولذلك أضاف نفي الإضاعة إلى نفسه . وما روي في الأخبار من ثواب الشهداء أكثر من أن يحصى أعلاها إسنادا ، ما رواه علي بن موسى الرضا " عليه السلام " ، عن الحسين بن علي " عليه السلام " قال : بينما أمير المؤمنين يخطب ، ويحضهم على الجهاد ، إذ قام إليه شاب فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله ؟ فقال : كنت رديف رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " على ناقته العضباء ، ونحن منقلبون عن غزوة ( ذات السلاسل ) ، فسألته عما سألتني عنه فقال : الغزاة إذا هموا بالغزو ، كتب الله لهم براءة من النار ، فإذا تجهزوا لغزوهم ، باهى الله بهم الملائكة . فإذا ودعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان والبيوت . ويخرجون من الذنوب كما تخرج الحية من سلخها ، ويوكل الله بكل رجل أربعين ملكا يحفظونه من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله . ولا يعمل حسنة إلا ضغف له ، ويكتب له كل يوم عبادة ألف رجل ، يعبدون الله ألف سنة ، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما ، اليوم مثل عمر الدنيا . وإذا صاروا بحضرة عدوهم ، انقطع علم