الشيخ الطبرسي
386
تفسير مجمع البيان
اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) . فعلى هذا يمكن أن يكون على وجل من عنادهم واصرارهم على الكفر ، فأخبره تعالى انه ليس إليه الا ما أمر به من تبليغ الرسالة ، ودعائهم إلى الهدى ، وذلك مثل قوله : ( فلعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) وقيل : انه استأذن ربه في يوم أحد في الدعاء عليهم ، فنزلت الآية ، فلم يدع عليهم بعذاب الاستيصال ، وإنما لم يؤذن له فيه ، لما كان في المعلوم من توبة بعض ، عن أبي علي الجبائي . وقيل : أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد ، فنهاه الله عن ذلك ، وتاب عليهم ، ونزلت الآية : ( ليس لك من الامر شئ ) أي : ليس لك أن تلعنهم ، وتدعو عليهم ، عن عبد الله بن مسعود . وقيل : لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون ما فعل بأصحابه ، وبعمه حمزة ، من المثلة من جدع الأنوف والأذان ، وقطع المذاكير ، قالوا : لئن أدالنا الله منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا بنا ، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط . فنزلت الآية ، عن محمد بن إسحاق والشعبي . وقيل : نزلت في أهل ( بئر معونة ) وهم سبعون رجلا من قراء أصحاب رسول الله ، وأميرهم المنذر بن عمرو ، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ( بئر معونة ) في صفر ، سنة أربع من الهجرة ، على رأس أربعة أشهر من أخد ، ليعلموا الناس القرآن والعلم ، فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل ، وكان فيهم عامر بن فهيرة ، مولى أبي بكر ، فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك وجدا شديدا ، وقنت عليهم شهرا . فنزل : ( ليس لك من الامر شئ ) ، عن مقاتل . والأصح انها نزلت في أحد ، لان أكثر العلماء عليه ، ويقتضيه سياق الكلام ، وإنما قال : ليس لك من الامر شئ ، مع أن له صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعوهم إلى الله . ويؤدي إليهم بتبليغهم ، لان معناه ليس لك شئ من أمر عقابهم ، واستيصالهم ، أو الدعاء عليهم ، أو لعنهم حتى تقع إنابتهم ، فجاء الكلام على الايجاز ، لان المعنى مفهوم لدلالة الكلام عليه ، وأيضا فإنه لا يعتد بما له صلى الله عليه وآله وسلم في تدبيرهم ، مع تدبير الله لهم ، فكأنه قال : ليس لك من الامر شئ على وجه من الوجوه . وقوله : ( أو يتوب عليهم ) قيل في معناه وجهان أحدهما : أو يلطف لهم بما يقع معه توبتهم ، فيتوب عليهم بلطفه لهم . والاخر : أو يقبل توبتهم إذا تابوا كقوله : ( غافر الذنب وقابل التوب ) . ولا يصح هذه الصفة الا لله تعالى ، لأنه يملك الجزاء بالثواب ، والعقاب ( أو يعذبهم ) أي : يعذبهم الله تعالى إن لم يتوبوا ( فإنهم