الشيخ الطبرسي
387
تفسير مجمع البيان
ظالمون ) أي : مستحقون للعذاب بظلمهم . وفي هذه الآية دلالة على أن ما يتعلق بالنصر والظفر ، وقبول التوبة والتعذيب ، فإنما هو إلى الله ، وليس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك شئ ، وإنما إليه الهداية والدعاء ، فكأنه قال : لا ترفع عنهم السيف إلى أن يتوبوا فيتوب عليهم ، أو يقوموا على كفرهم ، فيعذبهم بظلمهم . ( ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم 129 ) . اللغة : إنما ذكر لفظ ( ما ) لأنها أعم من من ، فإنها تتناول ما يعقل ، وما لا يعقل ، لأنها تفيد الجنس . ولو قال : من في السماوات ، لم يدخل فيه الا العقلاء ، إلا أن يحمل على التغليب ، وذلك ليس بحقيقة . المعنى : لما قال تعالى : ( ليس لك من الامر شئ ) عقب ذلك بأن الامر كله له فقال : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) ملكا وملكا ، وخلقا واقتدارا ، على الجميع ، يصرفهم كيف يشاء ، ايجادا وافناء وإعادة ( يغفر لمن يشاء ) من المؤمنين ذنوبهم ، فلا يؤاخذهم بها ، ولا يعاقبهم عليها ، رحمة منه وفضلا . ( ويعذب من يشاء ) أي : ويعذب الكافرين ، ومن يشاء من مذنبي المؤمنين ، ان مات قبل التوبة عدلا . ويدل عليه مفسرا قوله : ( ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . ولولا ذلك لكنا نجوز العفو على الجميع عقلا . وقيل : إنما أبهم الله الامر بالتعذيب والمغفرة ، فلم يبين من يغفر له ، ومن يشاء تعذيبه ، ليقف المكلف بين الخوف والرجاء ، فلا يأمن من عذاب الله تعالى ، ولا ييأس من روح الله ( 1 ) الا القوم الكافرون . ويلتفت إلى هذا قول الصادق عليه ا لسلام : لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا . وقيل : إنما علق الغفران أو العذاب بالمشيئة ، لان المشيئة مطابقة للحكمة ، فلا يشاء الا ما تقتضي الحكمة مشيئة . وسئل بعضهم : كيف يعذب الله عباده بالاجرام مع سعة رحمته ؟ فقال : رحمته لا تغلب حكمته ، إذ لا تكون رحمته برقة القلب ، كما تكون الرحمة منا . وعن ابن عباس قال : معنى الآية يغفر لمن يشاء ، ويعذب من يشاء ، ممن لم يتب .
--> ( 1 ) ( إذ الامن من عذاب الله خسر ، واليأس من رحمته كفر ، كما قال سبحانه ( فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون ) ، ( ولا ييأس من روح الله ) .