الشيخ الطبرسي

377

تفسير مجمع البيان

لما رجعت من بدر إلى مكة ، وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر ، لأنه قتل منهم سبعون ، وأسر سبعون ، قال أبو سفيان : يا معشر قريش ! لا تدعوا نساءكم يبكين على قتلاكم ، فان الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والعداوة لمحمد . فلما غزوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد ، أذنوا لنسائهم في البكاء والنوح ، وخرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس ، وألفي راجل ، وأخرجوا معهم النساء . فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ، جمع أصحابه ، وحثهم على الجهاد ، فقال عبد الله بن أبي سلول : يا رسول الله ! لا نخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها ، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والأمة ، على أفواه السكك ، وعلى السطوح . فما أرادها قوم قط فظفروا بنا ، ونحن في حصوننا ، ودروبنا ، وما خرجنا إلى عدو لنا قط ، الا كان الظفر لهم علينا . فقام سعد بن معاذ وغيره من الأوس فقالوا : يا رسول الله ! ما طمع فينا أحد من العرب ، ونحن مشركون نعبد الأصنام ، فكيف يطمعون فينا وأنت فينا ، لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم ، فمن قتل منا كان شهيدا ، ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله . فقبل رسول الله رأيه ، وخرج مع نفر من أصحابه يتبوأون موضع القتال ، كما قال تعالى : ( وإذ غدوت من أهلك ) الآية . وقعد عنه عبد الله بن أبي سلول ، وجماعة من الخزرج اتبعوا رأيه ، ووافت قريش إلى أحد ، وكان رسول الله عبأ أصحابه ، وكانوا سبع مائة رجل ، ووضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب ، وأشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان ، فقال لعبد الله بن جبير وأصحابه : ان رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة ، فلا تبرحوا من هذا المكان . وان رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم . ووضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا وقال : إذا رأيتمونا قد اختلطنا ، فأخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا وراءهم . وعبأ رسول الله أصحابه ، ودفع الراية إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وحمل الأنصار على مشركي قريش ، فانهزموا هزيمة قبيحة ، ووقع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سوادهم ، وانحط خالد بن الوليد في مائتي فارس ، على عبد الله بن جبير ، فاستقبلوهم بالسهام ، فرجع .