الشيخ الطبرسي

367

تفسير مجمع البيان

الكتاب سواء أي : ليس الذين آمنوا من أهل الكتاب ( أمة قائمة ) كعبد الله بن سلام وأصحابه ، والذين لم يؤمنوا ، سواء في الدرجة والمنزلة ، ثم استأنف ، وبين افتراقهم فقال : ( من أهل الكتاب أمة قائمة ) فحصل بهذا بيان الافتراق . وهذا كما لو أخبر القائل عن قوم بخبر فقال : بنو فلان يعملون كذا وكذا ، ثم قال : ليسوا سواء ، فإن منهم من يفعل كذا وكذا ، وكذلك لو ذم قبيلة بالبخل والجبن ، فقال غيره : ليسوا سواء ، منهم الجواد ، ومنهم الشجاع . فيكون منهم الجواد ، ومنهم الشجاع ، ابتداء كلام . وقال أبو عبيدة : هو على لغة أكلوني البراغيث . ومثله قوله تعالى : ( ثم عصوا وصموا كثير منهم ) وقال الشاعر : رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ، فأعرضن عني بالخدود النواضر ( 1 ) قال الزجاج والرماني : وليس الامر كما قال ، لان ذكر أهل الكتاب قد جرى ، فأخبر الله أنهم غير متساويين ، ولأن هذه اللغة رديئة في القيام والاستعمال . وقال الفراء : المعنى منهم أمة قائمة ، وأمة غير قائمة ، اكتفاء بذكر أحد الفريقين ، كما قال أبو ذويب : عصيت إليها القلب ، إني لأمرها مطيع ، فما أدري أرشد طلابها ولم يقل أم غي . وقال آخر : أواك فلا أدري أهم هممته * وذو الهم قدما خاشع متضائل ( 2 ) ولم يقل : أم غيره ، لان حاله في التغير ينبئ أن الهم غيره أم غيره ، فعلى هذا يكون رفع أمة على معنى الفعل ، وتقديره : لا يستوي أمة هادية ، وأمة ضالة . وعلى القول الأول رفع بالابتداء . وأنكر الزجاج هذا القول ، وقال : ما بنا حاجة هنا إلى محذوف ، لان ذكر الفريقين قد جرى في قوله منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون . ثم قال : ليسوا سواء . ولا يحتاج إلى أن يقدروا أمة غير قائمة ، وقد تقدم صفتهم في قوله : ( ويكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء ) . وقوله : أمة قائمة فيه وجوه أحدها : إن معناها جماعة ثابتة على أمر الله ، عن ابن عباس وقتادة والربيع . وثانيها : عادلة ، عن الحسن ومجاهد وابن جريج وثالثها : قائمة بطاعة الله ، عن السدي . ورابعها : إن التقدير : ذو أمة قائمة أي : ذو طريقة مستقيمة ، عن الزجاج . وأنشد للنابغة :

--> ( 1 ) الغانية : المرأة الغنية بحسنها وجمالها عن الزينة . ( 2 ) التضاؤل : التصاغر .