الشيخ الطبرسي
305
تفسير مجمع البيان
فهبط واشتعل الجبل نورا ، فجمعت له الحواريين ، فبثهم في الأرض دعاة ، ثم رفعه الله سبحانه . وتلك الليلة هي الليلة التي تدخن فيها النصارى . فلما أصبح الحواريون ، حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى " عليه السلام " إليهم فذلك قوله تعالى : ( ومكروا ومكر الله ) أي : أفضل المعاونين . وقيل : أنصف الماكرين وأعدلهم ، لأن مكرهم ظلم ، ومكره عدل وإنصاف . وإنما أضاف الله المكر إلى نفسه على مزاوجة الكلام ، كما قال : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) والثاني ليس باعتداء ، وإنما هو جزاء . وهذا أحد وجوه البلاغة كالمجانسة ، والمطابقة ، والمقابلة . فالمجانسة كقوله : ( تتقلب فيه القلوب والأبصار ) . والمطابقة كقوله : ( ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا ) بالنصب على مطابقة السؤال . والمقابلة نحو قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ) . ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون [ 55 ] ) . الاعراب : العامل في ( إذ ) قوله ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) إذ قال . ويحتمل أن يكون تقديره ذاك إذ قال الله ، وتمثيله ذاك واقع إذ قال الله ، ثم حذفت واقع ، وهو العامل في ( إذ ) وأقيمت ( إذ ) مقامه . و ( عيسى ) : في موضع الضم لأنه منادى مفرد ، لكن لا يتبين فيه الإعراب ، لأنه منقوص ، وهو لا ينصرف لاجتماع العجمة والتعريف . المعنى لما بين سبحانه ما هم به قوم عيسى من المكر به وقتله ، عقبه بما أنعم عليه من لطف التدبير ، وحسن التقدير فقال : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ) وقيل في معناه أقوال أحدها : إن المراد به : إني قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة بموت ، عن الحسن وكعب وابن جريج وابن زيد والكلبي وغيرهم . وعلى هذا القول يكون للمتوفى تأويلان أحدهما : إني رافعك إلي وافيا ، لم ينالوا منك شيئا . من قولهم : توفيت كذا واستوفيته أي : أخذته تاما والآخر : إني