الشيخ الطبرسي

200

تفسير مجمع البيان

أن تهدي الناس بعد أن دعوتهم ، وأنذرتهم ، وبلغتهم ما أمرت بتبليغه ، ونظيره ( إن عليك إلا البلاغ ) وليس المعنى ليس عليك أن تهديهم إلى الإيمان والطاعة ، لأنه ما بعث إلا لذلك . ( ولكن الله يهدي من يشاء ) : إنما علق الهداية بالمشيئة لمن كان المعلوم منه أنه يصلح باللطف أي : بلطف الله بزيادة الهدى والتوفيق لمن يشاء ، عن الزجاج وأبي القاسم البلخي ، وأكثر أهل العلم . وقيل : معناه يهدي إلى طريق الجنة ، عن الجبائي . ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) أي : ما تنفقوا في وجوه البر من مال ، فلأنفسكم ثوابه . والغرض فيه الترغيب في الانفاق ، لأن الانسان إذا علم منفعة إنفاقه عائدة إليه ، مختصة به ، كان أسمح بالإنفاق ، وأرغب فيه ، وأحرص عليه ، وبذلك يفارق عطية الله لأن المنفعة في عطائه عائدة إلى المعطي ، ومختصة به دون الله ، ومعظم المنفعة في عطية العبد ترجع إليه ، وتختص به ، دون المعطى . ( وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ) أي : إلا طلب رضوان الله . وهذا إخبار من الله عن صفة إنفاق المؤمنين المخلصين ، المستجيبين لله ولرسوله ، أنهم لا ينفقون ما ينفقونه إلا طلبا لرضاء الله تعالى . وقيل : إن معناه النهي ، وإن كان ظاهره الخبر أي : ولا تنفقوا إلا ابتغاء مرضاة الله . وفي ذكر الوجه هنا قولان أحدهما : إن المراد به تحقيق الإضافة ، لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام ، أنه له ولغيره ، وذلك أنك لما ذكرت الوجه ، ومعناه النفس ، دل على أنك تصرف الوهم عن الاشتراك إلى تحقيق الاختصاص ، وكنت بذلك محققا للإضافة ، ومزيلا لإيهام الشركة . والثاني : إنك إذا قلت : فعلته لوجه زيد ، كان أشرف في الذكر من فعلته له ، لأن وجه الشئ في الأصل ، أشرف ما فيه . ثم كثر حتى صار يدل على شرف الذكر من غير تحقيق وجه ، ألا ترى أنك تقول : وجه الرأي ، ووجه الأمر ، ووجه الدليل ، فلا تريد تحقيق الوجه ، وإنما تريد أشرف ما فيه من جهة شدة ظهوره ، وحسن بيانه . ( وما تنفقوا من خير يوف إليكم ) أي : يوفر عليكم جزاؤه وثوابه . والتوفية : إكمال الشئ ، وإنما حسن إليكم مع التوفية ، لأنها تضمنت معنى التأدية . وقيل : معناه تعطون جزاءه وافرا وافيا في الآخرة ، عن ابن عباس . ( وأنتم لا تظلمون ) بمنع ثوابه ، ولا بنقصان جزائه ، كقوله : ( آتت أكلها ولم تظلم منا شيئا ) أي : لم تنقص .