الشيخ الطبرسي
185
تفسير مجمع البيان
فقد أوقعها على وجه لا طريق له إلى استدراكه وتلافيه ، لوقوعها على الوجه الذي لا يستحق عليه الثواب ، فإن وجوه الأفعال تابعة لحدوث الأفعال ، فإذا فاتت ، فلا طريق إلى تلافيها . وليس في الآية ما يدل على أن الثواب الثابت المستقر يبطل ويزول بالمن فيما بعد ، ولا بالرياء الذي يحصل فيما يستقبل من الأوقات على ما قاله أهل الوعيد . ( لا يقدرون على شئ مما كسبوا ) أي : لا يقدر هؤلاء على نفقتهم ، ولا على ثوابها ، ولا يعلمون أين النفقة ، وأين ثوابها ، ولا يحصلون منها على شئ ، كما لا يحصل أحد على التراب أذهبه المطر عن الحجر . فقد تضمنت الآية ، والآي التي قبلها ، الحث على الصدقة ، وإنفاق المال في سبيل الخير ، وأبواب البر ، ابتغاء مرضاة الله ، والنهي عن المن والأذى ، والرياء والسمعة ، والنفاق ، والخبر عن بطلان العمل بها . ومما جاء في معناه من الحديث ما رواه ابن عباس عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال : " إذا كان يوم القيامة ، نادى مناد يسمع أهل الجمع : أين الذين كانوا يعبدون الناس ؟ قوموا خذوا أجوركم ممن عملتم له ، فإني لا أقبل عملا خالطه شئ من الدنيا وأهلها . وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " قال : قال رسول الله : ( من أسدى إلى مؤمن معروفا ، ثم آذاه بالكلام ، أو من عليه ، فقد أبطل الله صدقته . ثم ضرب فيه مثلا فقال : ( كالذي ينفق ماله رئاء الناس ) إلى قوله ( الكافرين ) . وقال أبو عبد الله " عليه السلام " : ما من شئ أحب إلي من رجل سلفت مني إليه يد أتبعته أختها ، وأحسنت ربها له ، لأني رأيت منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل . ( والله لا يهدي القوم الكافرين ) أي : لا يثيب الكافرين على أعمالهم إذ كان الكفر محبطا لها ، ومانعا من استحقاق الثواب عليها ، وإنما يثيب المؤمنين الذين يوقعون أعمالهم على الوجوه التي يستحق بها الثواب . وقيل : معناه لا يهديهم إلى الجنة بأعمالهم ، كما يهدي المؤمنين . وقيل : معناه لا يعطيهم ما يعطي المؤمنين من زيادة الألطاف والتوفيق . ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير [ 265 ] ) .