الشيخ الطبرسي

98

تفسير مجمع البيان

ثم قال سبحانه : ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ) هذا تهديد معناه : فذرني والمكذبين أي : كل أمرهم إلي ، كما يقول القائل . دعني وإياه ، يقول . خل بيني وبين من يكذب بهذا القرآن ، ولا تشغل قلبك به ، فإني أكفيك أمره ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) أي سنأخذهم إلى العقاب حالا بعد حال . وقد مر تفسيره في سورة الأعراف . وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : إذا أحدث العبد ذنبا ، جدد له نعمة ، فيدع الاستغفار فهو الاستدراج . ( وأملي لهم إن كيدي متين ) أي وأطيل آجالهم ، ولا أبادر إلى عذابهم مبادرة من يخشى الفوت ، فإنما يعجل من يخاف الفوت . إن عذابي لشديد : ( أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون ( 46 ) أم عندهم الغيب فهم يكتبون ( 47 ) فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ( 48 ) لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ( 49 ) فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ( 50 ) وأن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون ( 51 ) وما هو إلا ذكر للعالمين ( 52 ) . القراءة : قرأ أهل المدينة : ( ليزلقونك ) بفتح الياء . والباقون : ( ليزلقونك ) بضم الياء . الحجة : من قرأ بفتح الياء جعله من زلقه وزلقته أنا مثل : حزن وحزنته ، وشترت عينه وشترتها ( 1 ) . قال أبو علي : والخليل يذهب في ذلك إلى أن المعنى جعلت فيه شترا ، وجعلت فيه حزنا ، كما أنك إذا قلت : كحلته ودهنته أردت جعلت ذلك فيه . ومن قرأ أزلقه نقل الفعل بالهمزة ومعنى ( يزلقونك بأبصارهم ) . ينظرون إليك نظر البغضاء ، كما ينظر الأعداء ، ومثله قول الشاعر : يتقارضون إذا التقوا في مجلس * نظرا يزيل مواقع الأقدام اللغة : المغرم : ما يلزم من الدين الذي يلح في اقتضائه ، وأصله من اللزوم بالإلحاح . ومنه قوله . ( إن عذابها كان غراما ) أي : لازما ملحا . قال الشاعر :

--> ( 1 ) شتر عينه : قلب جفنها . والشتر : النقص والعيب .