الشيخ الطبرسي

465

تفسير مجمع البيان

المعنى لا أعبد الأصنام التي تعبدونها ، ولا أنتم عابدون الله الذي أنا عابده ، إذا أشركتم به ، واتخذتم الأصنام وغيرها تعبدونها من دونه . وإنما يعبد الله من أخلص العبادة له ، ولا أنا عابد ما عبدتم أي : لا أعبد عبادتكم فيكون ما مصدرية . ولا أنتم عابدون ما أعبد أي : وما تعبدون عبادتي على نحو ما ذكرناه . فأراد في الأول المعبود ، وفي الثاني العبادة . فإن قيل : أما اختلاف المعبودين فمعلوم ، فما معنى اختلاف العبادة ؟ قلنا : إنه يعبد الله على وجه الإخلاص ، وهم يشركون به في عبادته ، فاختلفت العبادتان . ولأنه كان يتقرب بعبادته إلى معبوده بالأفعال المشروعة الواقعة على وجه العبادة ، وهم لا يفعلون ذلك ، وإنما يتقربون إليه بأفعال يعتقدونها قربة جهلا من غير شرع . ( لكم دينكم ولي دين ) ذكر فيه وجوه أحدها : إن معناه لكم جزاء دينكم ، ولي جزاء ديني . فحذف المضاف ، وأقام المضاف إليه مقامه وثانيها : إن المعنى لكم كفركم بالله ، ولي دين التوحيد والإخلاص . وهذا وإن كان ظاهره إباحة ، فإنه وعيد وتهديد ، ومبالغة في النهي والزجر ، كقوله : اعملوا ما شئتم وثالثها : إن الدين الجزاء ، ومعناه : لكم جزاؤكم ، ولي جزائي . قال الشاعر : إذا ما لقونا لقيناهم * ودناهم مثل ما يقرضونا وقد تضمنت السورة معجزة لنبينا ( ص ) من جهة الإخبار بما يكون في الأوقات المستقبلة ، مما لا سبيل إلى علمه إلا بوحي من قبل الله سبحانه ، العالم بالغيوب . فكان ما أخبر به كما أخبر . وفيها دلالة على ذم المداهنة في الدين ، ووجوب مخالفة الكفار والمبطلين ، والبراءة منهم . وروى داود بن الحصين ، عن أبي عبد الله ( ع ) قال : إذا قرأت ( قل يا أيها الكافرون ) فقل : أيها الكافرون . وإذا قلت ( لا أعبد ما تعبدون ) فقل : أعبد الله وحده . وإذا قلت ( لكم دينكم ولي دين ) فقل : ربي الله ، وديني الاسلام .