الشيخ الطبرسي

46

تفسير مجمع البيان

ولا موضع للكاف كما أن الكاف في كذا كذلك . قال أبو علي : مثل هذا في أنه دخل على المبتدأ حرف الجر ، فصار مع المجرور في موضع رفع قولهم بحسبك أن تفعل كذا ، يريدون حسبك فعل كذا . فالجار مع المجرور في موضع رفع . وأنشد أبو زيد : بحسبك في القوم أن يعلموا * بأنك فيهم غني مضر وأكثر العرب تستعملها مع من ، وكذلك ما جاء في التنزيل ، ومما جاء منه في الشعر قوله : وكائن بالأباطح من صديق * يراني إن أصبت هو المصابا ( 1 ) وقول الآخر : وكائن إليكم قاد من رأس فتنة * جنودا ، وأمثال الجبال كتائبه ( 2 ) المعنى : ثم بين سبحانه حال المطلقة في النفقة والسكنى فقال : ( أسكنوهن ) أي في بيوتكم ( من حيث سكنتم ) من المساكن ( من وجدكم ) أي من ملككم وما تقدرون عليه ، عن السدي ، وأبي مسلم . وقيل : هو من الوجدان أي : مما تجدونه من المساكن ، عن الحسن والجبائي . وقيل : من سعتكم وطاقتكم من الوجد الذي هو المقدرة . قال الفراء : يعول على ما يجد ، فإن كان موسعا وسع عليها في المسكن والنفقة ، وإن كان فقيرا فعلى قدر ذلك . ويجب السكنى والنفقة للمطلقة الرجعية بلا خلاف . فاما المبتوتة ، ففيها خلاف : فذهب أهل العراق إلى أن لها السكنى والنفقة معا ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن مسعود . وذهب الشافعي إلى أن لها السكنى بلا نفقة . وذهب الحسن وأبو ثور إلى أنه لا سكنى لها ، ولا نفقة ، وهو المروي عن أئمة الهدى عليه السلام ، وذهب إليه أصحابنا . ويدل عليه ما رواه الشعبي قال : دخلت على فاطمة بنت قيس بالمدينة ، فسألتها عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : طلقني زوجي البتة ، فخاصمته إلى رسول الله في السكنى والنفقة ، فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة ، وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم .

--> ( 1 ) قائله جرير . والأباطح جمع الأبطح : مسيل واسع فيه دقاق الحصى . وأصبت أي : وقعت في المصيبة . المصاب أيضا من المصيبة أي : يرى مصيبتي مصيبته . ( 2 ) الكتائب جمع الكتيبة : القطعة من الجيش .