الشيخ الطبرسي

444

تفسير مجمع البيان

لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك * لا يغلبوا بصليبهم ومحالهم عدوا محالك ( 1 ) لا يدخلوا البلد الحرام إذا فأمر ما بدا لك ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعما لقريش ، فأصابت فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم ، فلما بلغه ذلك ، خرج حتى أتى القوم ، وكان حاجب أبرهة رجلا من الأشعرين ، وكانت له بعبد المطلب معرفة . فاستأذن له على الملك ، وقال له : أيها الملك ! جاءك سيد قريش الذي يطعم إنسها في الحي ، ووحشها في الجبل ! فقال له : ائذن له . وكان عبد المطلب رجلا جسيما جميلا . فلما رآه أبو يكسوم أعظمه أن يجلسه تحته ، وكره أن يجلسه معه على سريره ، فنزل من سريره ، فجلس على الأرض ، وأجلس عبد المطلب معه . ثم قال : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك . فقال أبو يكسوم : والله لقد رأيتك فأعجبتني ، ثم تكلمت فزهدت فيك ! فقال : ولم أيها الملك ؟ قال : لأني جئت إلى بيت عزكم ، ومنعتكم من العرب ، وفضلكم في الناس ، وشرفكم عليهم ، ودينكم الذي تعبدون ، فجئت لأكسره ، وأصيبت لك مائتا بعير ، فسألتك عن حاجتك ، فكلمتني في إبلك ، ولم تطلب إلي في بيتكم ؟ فقال له عبد المطلب : أيها الملك ! أنا أكلمك في مالي ، ولهذا البيت رب هو يمنعه ، لست أنا منه في شئ . فراع ذلك أبا يكسوم ، وأمر برد إبل عبد المطلب عليه ثم رجع . وأمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها ، كأنها تكلمهم كلاما ، لاقترابها منهم ، فأحست نفوسهم بالعذاب ، وخرج دليلهم حتى دخل الحرم وتركهم . وقام الأشعرون وخثعم ، فكسروا رماحهم وسيوفهم ، وبرأوا إلى الله أن يعينوا على هدم البيت . فباتوا كذلك بأخبث ليلة . ثم أدلجوا بسحر ، فبعثوا فيلهم يريدون أن يصبحوا بمكة ، فوجهوه إلى مكة ، فربض . فضربوه فتمرغ . فلم يزالوا كذلك حتى كادوا أن يصبحوا . ثم إنهم أقبلوا على الفيل ، فقالوا : لك الله أن لا نوجهك إلى مكة ! فانبعث ، فوجهوه إلى اليمن راجعا ، فتوجه يهرول . فعطفوه حين رأوه منطلقا حتى إذا ردوه إلى مكانه الأول ربض . فلما رأوا ذلك عادوا إلى القسم . فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتى إذا كان مع طلوع الشمس ، طلعت عليهم الطير ، معها الحجارة ،

--> ( 1 ) الحلال : القوم الحالون في المكان . والمحال : التدبير والقوة .