الشيخ الطبرسي
419
تفسير مجمع البيان
تخبر بما عمل عليها . وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : أخبارها أن تشهد على كل عبد ، وأنه بما عمل على ظهرها ، تقول : عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا ، وهذا أخبارها ) . وعلى هذا فيجوز أن يكون الله تعالى أحدث الكلام فيها ، وإنما نسبه إليها توسعا ومجازا . ويجوز أن يقلبها حيوانا يقدر على النطق . ويجوز أن يظهر فيها ما يقوم مقام الكلام ، فعبر عنه بالكلام كما يقال : عيناك تشهدان بسهرك . وكقول الشاعر : ( وقالت له العينان سمعا وطاعة ) ( 1 ) وقد مر أمثاله . وقوله ( بأن ربك أوحى لها ) معناه : إن الأرض تحدث بها ، فتقول : إن ربك يا محمد أوحى لها أي ألهمها وعرفها بأن تحدث أخبارها . وقيل : بأن تلقي الكنوز والأموات على ظهرها ، يقال : أوحى له وإليه أي ألقى إليه من جهة تخفى . قال الفراء : تحدث أخبارها بوحي الله وإذنه لها . وقال ابن عباس : أذن لها لتخبر بما عمل عليها . وروى الواحدي بإسناده مرفوعا إلى ربيعة الحرشي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ( حافظوا على الوضوء ، وخير أعمالكم الصلاة ، وتحفظوا من الأرض ، فإنها أمكم ، وليس فيها أحد يعمل خيرا وشرا ، إلا وهي مخبرة ) . وقال أبو سعيد الخدري : إذا كنت بالبوادي ، فارفع صوتك بالأذان ، فإني سمعت رسول الله يقول : ( لا يسمعه جن ولا إنس ولا حجر إلا يشهد له ) . ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ) أي يرجع الناس عن موقف الحساب بعد العرض متفرقين : أهل الإيمان على حدة ، وأهل كل دين على حدة . وهذا كقوله : ( يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ) وقوله ( يومئذ يصدعون ) . ( ليروا أعمالهم ) أي ليروا جزاء أعمالهم ، عن ابن عباس . والمعنى : إنهم يرجعون عن الموقف فرقا ، لينزلوا منازلهم من الجنة والنار . وقيل : معنى الرؤية هنا المعرفة بالأعمال عند تلك الحال ، وهي رؤية القلب . ويجوز أن يكون التأويل على رؤية العين بمعنى : ليروا صحائف أعمالهم فيقرؤون ما فيها ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) أي فمن يعمل وزن ذرة من الخير ير ثوابه وجزاءه ( ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) أي ير ما يستحق عليه من العقاب .
--> ( 1 ) مر البيت بتمامه في هذا الجزء .