الشيخ الطبرسي

420

تفسير مجمع البيان

ويمكن أن يستدل بها على بطلان الإحباط ، لأن الظاهر يدل على أنه لا يفعل أحد شيئا من طاعة أو معصية ، إلا ويجازى عليها . وما يقع محبطا لا يجازى عليه . وليس لهم أن يقولوا : إن الظاهر بخلاف ما تذهبون إليه في جواز العفو عن مرتكب الكبيرة ، وذلك لأن الآية مخصوصة بالإجماع ، فإن التائب معفو عنه بلا خلاف ، وعندهم أن من شرط المعصية التي يؤاخذ بها ، أن لا تكون صغيرة . فجاز لنا أيضا أن نشرط فيها أن لا يكون مما يعفو الله عنه . وقال محمد بن كعب : معناه فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ، وهو كافر ، ير ثوابه في الدنيا ، في نفسه وأهله وماله وولده ، حتى يخرج من الدنيا ، وليس له عند الله خير . ومن يعمل مثقال ذرة شرا ، وهو مؤمن ، ير عقوبته في الدنيا ، في نفسه وأهله وماله وولده ، حتى يخرج من الدنيا ، وليس له عند الله شر . وقال مقاتل : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره يوم القيامة في كتابه ، فيفرح به . وكذلك من الشر يراه في كتابه ، فيسوؤه ذلك . قال : وكان أحدهم يستقل أن يعطي اليسير ويقول : إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه ، وليس اليسير مما يحب . ويتهاون بالذنب اليسير ويقول : إنما وعد الله الكفار النار على الكبائر . فأنزل الله هذه الآية ، يرغبهم في القليل من الخير ، ويحذرهم اليسير من الشر . وعن أبي عثمان المازني ، عن أبي عبيدة قال : قدم صعصعة بن ناجية ، جد الفرزدق ، على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وفد بني تميم ، فقال : بأبي أنت يا رسول الله أوصني خيرا . فقال : أوصيك بأمك وأبيك وأدانيك . قال : زدني يا رسول الله . قال : إحفظ ما بين لحييك ورجليك . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما شئ بلغني عنك فعلته ؟ فقال : يا رسول الله ! رأيت الناس يمرجون على غير وجه ، ولم أدر أين الصواب ، غير أني علمت أنهم ليسوا عليه ، فرأيتهم يئدون بناتهم ، فعرفت أن الله ، عز وجل ، لم يأمرهم بذلك . فلم أتركهم يئدون ، وفديت ما قدرت . وفي رواية أخرى : إنه سمع ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) فقال : حسبي ما أبالي أن لا أسمع من القرآن غير هذا . وقال عبد الله بن مسعود : أحكم آية في القرآن ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) إلى آخر السورة . وكان صلى الله عليه وآله وسلم يسميها الجامعة . وتصدق سعد بن أبي وقاص بتمرتين ، فقبض السائل يده ، فقال سعد : ويحك ، يقبل الله منا مثقال الذرة والخردلة ، وكان فيها مثاقيل .