الشيخ الطبرسي

364

تفسير مجمع البيان

ونظائره كثيرة ( فلا اقتحم العقبة ) فيه أقوال أحدها : إن المعنى فلم يقتحم هذا الانسان العقبة ، ولا جاوزها . وأكثر ما يستعمل هذا الوجه بتكرير لفظة ( لا ) كما قال سبحانه . ( فلا صدق ولا صلى ) أي لم يصدق ، ولم يصل . وكما قال الحطيئة : وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ، * وإن أنعموا لا كدروها ، ولا كدوا وقد جاء من غير تكرار في نحو قوله : إن تغفر اللهم تغفر جما ، * وأي عبد لك ، لا ألما ( 1 ) أي لم يلم بذنب . والآخر : أن يكون على وجه الدعاء عليه بأن لا يقتحم العقبة كما يقال : لا غفر الله له ، ولا نجا ، ولا سلم . والمعنى : لا نجا من العقبة ، ولا جاوزها والثالث : إن المعنى فهلا اقتحم العقبة ، أو أفلا اقتحم العقبة ، عن ابن زيد والجبائي وأبي مسلم ، قالوا : ويدل على ذلك قوله تعالى ( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) ولو كان أراد النفي لم يتصل الكلام . قال المرتضى ، قدس الله روحه : هذا الوجه ضعيف جدا ، لأن الكلام خال من لفظ الاستفهام ، وقبيح حذف حرف الاستفهام في مثل هذا الموضع ، وقد عيب على عمر بن أبي ربيعة قوله . ثم قالوا : تحبها . قلت : بهرا * عدد الرمل ، والحصى ، والتراب ( 2 ) وأما قولهم : لو أريد النفي لم يتصل الكلام ، فليس بشئ ، لأن المعنى فلا اقتحم العقبة ثم كان من الذين آمنوا أي : لم يقتحم ، ولم يؤمن . وأما المراد بالعقبة ففيه وجوه أحدها : إنه مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان ، في أعمال الخير والبر ، فجعل ذلك كتكليف صعود العقبة الشاقة الكؤود ، فكأنه قال لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام ، وهو قوله : ( وما أدراك ما العقبة ) أي ما اقتحام العقبة . ثم ذكره فقال : ( فك رقبة ) وهو تخليصها من أسار الرق إلى آخره وثانيها : إنها عقبة حقيقية . قال الحسن وقتادة : هي عقبة شديدة في النار ، دون الجسر ،

--> ( 1 ) ألم : باشر اللمم أي : صغار الذنوب . ( 2 ) بهرا أي : بهرني بهرا بمعنى غلبني غلبة . وقيل : بمعنى عجبا .