الشيخ الطبرسي
355
تفسير مجمع البيان
( يا ليتني قدمت لحياتي ) العمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها . ثم قال سبحانه : ( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ) أي لا يعذب عذاب الله أحد من الخلق ( ولا يوثق وثاقه أحد ) أي وثاق الله أحد من الخلق . فالمعنى : لا يعذب أحد في الدنيا مثل عذاب الله الكافر يومئذ ، ولا يوثق أحد في الدنيا بمثل وثاق الله الكافر يومئذ ، وأما القراءة بفتح العين في ( يعذب ) ، و ( يوثق ) : فقد وردت الرواية عن أبي قلابة قال : أقرأني من أقرأه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ) والمعنى : لا يعذب أحد تعذيب هذا الكافر ، إن قلنا إنه كافر بعينه ، أو تعذيب هذا الصنف من الكفار ، وهم الذين ذكروا في قوله ( لا يكرمون اليتيم ) الآيات . وهذا وإن أطلق فالأولى أن يكون المراد التقييد ، لأنا نعلم أن إبليس أشد عذابا ووثاقا منه . وقيل : معناه لا يؤاخذ بذنبه غيره ، والتقدير : لا يعذب أحد بعذابه ، لأنه المستحق بعذابه ، ولا يؤاخذ الله أحدا بجرم غيره . ( يا أيتها النفس المطمئنة ) بالإيمان المؤمنة الموقنة المصدقة بالثواب والبعث ، والطمأنينة : حقيقة الإيمان ، عن الحسن ومجاهد . وقيل المطمئنة : الآمنة بالبشارة بالجنة عند الموت ، ويوم البعث ، عن ابن زيد . وقيل النفس المطمئنة : التي يبيض وجهها ويعطى كتابها بيمينها ، فحينئذ تطمئن ، عن الكلبي وأبي روق . ( إرجعي إلى ربك ) أي يقال لها عند الموت ، عن أبي صالح . وقيل : عند البعث ، عن عكرمة ، والضحاك : إرجعي إلى ثواب ربك ، وما أعده لك من النعيم ، عن الحسن . وقيل : إرجعي إلى الموضع الذي يختص الله سبحانه بالأمر والنهي فيه دون خلقه . وقيل : إن المراد إرجعي إلى صاحبك وجسدك ، فيكون الخطاب للروح أن ترجع إلى الجسد ، عن ابن عباس . ( راضية ) بثواب الله ( مرضية ) أعمالها التي عملتها . وقيل : راضية عن الله بما أعد الله لها ، مرضية رضي عنها ربها بما عملت من طاعته . وقيل : راضية بقضاء الله في الدنيا ، حتى رضي الله عنها ، ورضي بأفعالها واعتقادها . ( فأدخلي في عبادي ) أي في زمرة عبادي الصالحين المصطفين الذين رضيت عنهم . وهذه نسبة تشريف وتعظيم ( وادخلي جنتي ) التي وعدتكم بها ، وأعددت نعيمكم فيها . النظم : وجه اتصال قوله ( فأما الانسان ) الآية بما قبله فيه قولان أحدهما : إنه يتصل بقوله ( إن ربك لبالمرصاد ) أي هو بالمرصاد لأعمالهم ، لا يخفى عليه شئ