الشيخ الطبرسي

354

تفسير مجمع البيان

وتجليه للخلق . فقيل : جاء ربك أي زالت الشبهة ، وارتفع الشك ، كما يرتفع عند مجئ الشئ الذي كان يشك فيه ، جل وتقدس عن المجئ والذهاب ، لقيام البراهين القاهرة ، والدلائل الباهرة ، على أنه سبحانه ليس بجسم ( والملك ) أي وتجئ الملائكة ( صفا صفا ) يريد صفوف الملائكة ، وأهل كل سماء صف على حدة ، عن عطاء . وقال الضحاك : أهل كل سماء إذا زلزلوا يوم القيامة ، كانوا صفا محيطين بالأرض ، وبمن فيها ، فيكون سبع صفوف ، فذلك قوله ( صفا صفا ) . وقيل : معناه مصطفين كصفوف الناس في الصلاة ، يأتي الصف الأول ، ثم الصف الثاني ، ثم الصف الثالث ، ثم على هذا الترتيب ، لأن ذلك أشبه بحال الاستواء من التشويش ، فالتعديل والتقويم أولى . ( وجئ يومئذ بجهنم ) أي وأحضرت في ذلك اليوم جهنم ليعاقب بها المستحقون لها ، ويرى أهل الموقف هولها وعظم منظرها . وروي مرفوعا عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه الآية ، تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعرف في وجهه ، حتى اشتد على أصحابه ما رأوا من حاله ، وانطلق بعضهم إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا : يا علي ! لقد حدث أمر قد رأيناه في نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم . فجاء علي عليه السلام فاحتضنه من خلفه ، وقبل بين عاتقيه ، ثم قال : يا نبي الله ! بأبي أنت وأمي ، ما الذي حدث اليوم ؟ قال : جاء جبرائيل عليه السلام فأقرأني ( وجئ يومئذ بجهنم ) قال فقلت : كيف يجاء بها ؟ قال : يجئ بها سبعون ألف ملك ، يقودونها بسبعين ألف زمام ، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ، ثم أتعرض لجهنم فتقول : ما لي ولك يا محمد ، فقد حرم الله لحمك علي . فلا يبقى أحد إلا قال : نفسي نفسي ، وإن محمدا يقول رب أمتي أمتي . ثم قال سبحانه : ( يومئذ ) يعني يوم يجاء بجهنم ( يتذكر الانسان ) أي : يتعظ ويتوب الكافر ( وأنى له الذكرى ) أي ومن أين له التوبة ، عن الزجاج . وقيل : معناه يتذكر الانسان ما قصر وفرط ، إذ يعلم يقينا ما قد توعد به ، فكيف ينفعه التذكر . أثبت له التذكر ، ثم نفاه بمعنى أنه لا ينتفع به ، فكأنه لم يكن ، وكان ينبغي له أن يتذكر في وقت ينفعه ذلك فيه . ثم حكى سبحانه ما يقول الكافر والمفرط الجاني على نفسه ، ويتمناه بقوله : ( يقول يا ليتني قدمت لحياتي ) أي يتمنى أن يكون قد كان عمل الطاعات والحسنات ، لحياته بعد موته ، أو عملها للحياة التي تدوم له ، بقوله