الشيخ الطبرسي
352
تفسير مجمع البيان
بالمرصاد . وليس يريد به المكان . فقد سئل علي عليه السلام أين كان ربنا قبل أن خلق السماوات والأرض ؟ فقال : أين سؤال عن مكان ، وكان الله ولا مكان . وروي عن ابن عباس في هذه الآية قال : إن على جسر جهنم سبع محابس ، يسأل العبد عندها : أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني ، فيسأل عن الصلاة ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث ، فيسأل عن الزكاة ، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع ، فيسأل عن الصوم ، فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس ، فيسأل عن الحج ، فإن جاء به تاما جاز إلى السادس ، فيسأل عن العمرة ، فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع ، فيسأل عن المظالم ، فإن خرج منها ، وإلا يقال انظروا فإن كان له تطوع أكمل به أعماله ، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة . ثم قسم سبحانه أحوال البشر فقال : ( فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه ) أي اختبره وامتحنه بالنعمة ( فأكرمه ) بالمال ( ونعمه ) بما وسع عليه من أنواع الإفضال ( فيقول ربي أكرمن ) فيفرح بذلك ويسر ، ويقول ربي أعطاني هذا لكرامتي عنده ، ومنزلتي لديه أي يحسب أنه كريم على ربه ، حيث وسع الدنيا عليه . ( وأما إذا ما ابتلاه ) بالفقر والفاقة ( فقدر ) أي فضيق وقتر ( عليه رزقه ) وجعله على قدر البلغة ( فيقول ربي أهانن ) أي فيظن أن ذلك هوان من الله ، ويقول : ربي أذلني بالفقر . ثم قال ( كلا ) أي ليس كما ظن ، فإني لا أغني المرء لكرامته علي ، ولا أفقره لمهانته عندي ، ولكني أوسع على من أشاء ، وأضيق على من أشاء ، بحسب ما توجبه الحكمة ، ويقتضيه الصلاح ، ابتلاء بالشكر والصبر ، وإنما الإكرام على الحقيقة يكون بالطاعة ، والإهانة تكون بالمعصية . ثم بين سبحانه ما يستحق به الهوان ، فقال : بل إنما أهنت من أهنت ، لأنهم عصوني . ثم فصل العصيان فقال : ( بل لا تكرمون اليتيم ) وهو الطفل الذي لا أب له أي : لا تعطونهم مما أعطاكم الله حتى تغنوهم عن ذل السؤال ، وخص اليتيم لأنهم لا كافل لهم يقوم بأمرهم . وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ) . وأشار بالسبابة والوسط . قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون في حجر أمية بن خلف يتيما ، وكان يدفعه عن حقه . فعلى هذا فإنه يحتمل معنيين أحدهما . إنكم لا تحسنون إليه والآخر : إنكم لا تعطونه حقه من الميراث ، على ما جرت به عادة الكفار من حرمان اليتيم ما كان له من الميراث .