الشيخ الطبرسي
330
تفسير مجمع البيان
بأوله . فلما نزلت هذه الآية لم ينس بعد ذلك شيئا . ( إلا ما شاء الله ) أن ينسيكه بنسخه من رفع حكمه وتلاوته ، عن الحسن وقتادة . وعلى هذا فالإنشاء نوع من النسخ ، وقد مر بيانه في سورة البقرة عند قوله ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) الآية . وقيل : معناه إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله عليك ، فلا تقرأه . وقيل : إلا ما شاء الله كالاستثناء في الإيمان ، وإن لم يقع منه مشيئة النسيان . قال الفراء : لم يشأ الله أن ينسى ( ص ) شيئا ، فهو كقوله ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ولا يشاء ) وكقول القائل : لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت ، وإلا أن أشاء أن أمنعك . والنية أن لا يمنعه ، ومثله الاستثناء في الإيمان . ففي الآية بيان لفضيلة النبي ( ص ) وإخبار أنه مع كونه ( ص ) أميا ، كان يحفظ القرآن ، وأن جبرائيل ( ع ) كان يقرأ عليه سورة طويلة ، فيحفظه بمرة واحدة ، ثم لا ينساه . وهذه دلالة على الإعجاز الدال على نبوته . ( إنه يعلم الجهر وما يخفى ) معناه أن الله سبحانه يعلم العلانية والسر . والجهر : رفع الصوت . ونقيضه الهمس . والمعنى : إنه سبحانه يحفظ عليك ما جهرت به ، وما أخفيته مما تريد أن تعيه ( ونيسرك لليسرى ) اليسرى هي الفعلي من اليسر ، وهو سهولة عمل الخير . والمعنى : نوفقك للشريعة اليسرى ، وهي الحنيفية ، ونهون عليك الوحي ، ونسهله حتى تحفظه ولا تنساه ، وتعمل به ولا تخالفه . وقيل : معناه نسهل لك من الإلطاف والتأييد ، ما يثبتك على أمرك ، ويسهل عليك المستصعب من تبليغ الرسالة ، والصبر عليه ، عن أبي مسلم . وهذا أحسن ما قيل فيه ، فإنه يتصل بقوله : ( سنقرؤك فلا تنسى ) فكأنه سبحانه أمره بالتبليغ ، ووعده النصر ، وأمره بالصبر . وقيل : إن اليسرى عبارة عن الجنة ، فهي اليسرى الكبرى أي : نيسر لك دخول الجنة ، عن الجبائي . فذكر أمر النبي ( ص ) أن يذكر الخلق ويعظهم . ( إن نفعت الذكرى ) وإنما قال ذلك ، وذكراه تنفع لا محالة في عمل الإيمان ، والامتناع من العصيان ، لأنه ليس بشرط حقيقة ، وإنما هو إخبار عن أنه ينفع لا محالة في زيادة الطاعة ، والانتهاء عن المعصية ، كما يقال : سله إن نفع السؤال . وقيل : معناه عظهم إن نفعت الموعظة ، أو لم تنفع ، لأنه ( ص ) بعث للإعذار والإنذار ، فعليه التذكير في كل حال ، نفع أو لم ينفع . ولم يذكر الحالة الثانية كقوله ( سرابيل