الشيخ الطبرسي
331
تفسير مجمع البيان
تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ) . وقد نبه الله سبحانه على تفصيل الحالتين بقوله : ( سيذكر من يخشى ) أي سيتعظ بالقرآن من يخشى الله تعالى ، ويخاف عقابه . ( ويتجنبها ) أي يتجنب الذكرى والموعظة ( الأشقى ) أي أشقى العصاة فإن للعاصين درجات في الشقاوة ، فأعظمهم درجة فيها الذي كفر بالله وتوحيده ، وعبد غيره . وقيل : الأشقى من الاثنين من يخشى ومن يتجنب ، عن أبي مسلم . ( الذي يصلى النار الكبرى ) أي يلزم أكبر النيران ، وهي نار جهنم . والنار الصغرى : نار الدنيا ، عن الحسن . وقيل : إن النار الكبرى هي الطبقة السفلى من جهنم ، عن الفراء . ( ثم لا يموت فيها ) فيستريح ( ولا يحيى ) حياة ينتفع بها ، بل صارت حياته وبالا عليه ، يتمنى زوالها ، لما هو معها من فنون العقاب ، وألوان العذاب . وقيل : ولا يحيى أي ولا يجد روح الحياة . ( قد أفلح من تزكى ) أي قد فاز من تطهر من الشرك ، وقال : لا إله إلا الله ، عن عطاء وعكرمة . وقيل : معناه قد ظفر بالبغية من صار زاكيا بالأعمال الصالحة والورع ، عن ابن عباس والحسن وقتادة . وقيل : زكى أي : أعطى زكاة ماله ، عن ابن مسعود . وكان يقول : قد رحم الله امرأ تصدق ، ثم صلى ، ويقرأ هذه الآية . وقيل : أراد صدقة الفطرة ، وصلاة العيد ، عن أبي عمرو وأبي العالية وعكرمة وابن سيرين . وروي ذلك مرفوعا عن أبي عبد الله ( ع ) . ومتى قيل على هذا القول : كيف يصح ذلك والسورة مكية ، ولم يكن هناك صلاة عيد ، ولا زكاة ، ولا فطرة ؟ قلنا : يحتمل أن يكون نزلت أوائلها بمكة ، وختمت بالمدينة . ( وذكر اسم ربه فصلى ) أي وحد الله ، عن ابن عباس . وقيل : ذكر الله بقلبه عند صلاته فرجا ثوابه ، وخاف عقابه ، فإن الخشوع في الصلاة بحسب الخوف والرجاء . وقيل : ذكر اسم ربه بلسانه عند دخوله في الصلاة ، فصلى بذلك الاسم أي قال : الله أكبر ، لأن الصلاة لا تنعقد إلا به . وقيل : هو أن يفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم ، ويصلي الصلوات الخمس المكتوبة . ثم قال سبحانه مخاطبا للكفار : ( بل تؤثرون ) أي تختارون ( الحياة الدنيا ) على الآخرة ، فتعملون لها ، وتعمرونها ، ولا تتفكرون في أمر الآخرة . وقيل : هو عام في المؤمن والكافر بناء على الأعم الأغلب في أمر الناس . قال عبد الله بن مسعود : إن الدنيا اخضرت لنا ، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذتها وبهجتها .