الشيخ الطبرسي
318
تفسير مجمع البيان
عذاب الحريق ) بما أحرقوا المؤمنين . يسأل فيقال : كيف فصل بين عذاب جهنم وعذاب الحريق وهما واحد ؟ أجيب عن ذلك بان المراد : لهم أنواع العذاب في جهنم سوى الإحراق ، مثل الزقوم والغسلين والمقامع ، ولهم مع ذلك الإحراق بالنار . وقيل . لهم عذاب جهنم في الآخرة ، ولهم عذاب الحريق في الدنيا ، وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود فأحرقتهم ، عن الربيع بن أنس ، وهو قول الكلبي . وقال الفراء : ارتفعت النار عليهم فأحرقتهم فوق الأخاديد ، ونجا المؤمنون . ثم ذكر سبحانه ما أعده للمؤمنين الذين أحرقوا بالنار ، فقال : ( إن الذين آمنوا ) أي صدقوا بتوحيد الله ( وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير ) النجاح العظيم ، والنفع الخالص . وإنما وصفه بالكبير ، لأن نعيم العاملين كبير بالإضافة إلى نعيم من لا عمل له من داخلي الجنة ، لما في ذلك من الإجلال والاكرام ، والتبجيل والإعظام . ثم قال سبحانه متوعدا للكفار والعصاة : ( إن بطش ربك ) يا محمد ( لشديد ) يعني : إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة والجبابرة ، أليم شديد . وإذا وصف البطش وهو الأخذ عنفا بالشدة ، فقد تضاعف مكروهه ، وتزايد إيلامه ( إنه هو يبدئ ) الخلق يخلقهم أولا في الدنيا ( ويعيد ) هم أحياء بعد الموت للحساب والجزاء ، فليس إمهاله لمن يعصيه لإهماله إياه . وقيل : إنه يبدئ بالعذاب في الدنيا ، ويعيده في الآخرة ، عن ابن عباس . وذلك لأن ما قبله يقتضيه . ( وهو الغفور ) لذنوب المؤمنين من أهل طاعته ، ومعناه : كثير الغفران عادته مغفرة الذنوب ( الودود ) يود أولياءه ويحبهم ، عن مجاهد . قال الأزهري في تفسير أسماء الله : يجوز أن يكون ودود فعولا بمعنى مفعول ، كركوب وحلوب ، ومعناه : إن عباده الصالحين يودونه ، ويحبونه ، لما عرفوا من فضله وكرمه ، ولما أسبغ من آلائه ونعمه . قال : وكلتا الصفتين مدح ، لأنه سبحانه إن أحب عباده المطيعين فهو فضل منه ، وإن أحبوه فلما عرفوه من فضله وإحسانه . ( ذو العرش المجيد ) أكثر القراءة في ( المجيد ) الرفع ، لأن الله سبحانه هو الموصوف بالمجد ، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى ، وإن سمع الماجد . ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش . وروي عن ابن عباس أنه قال : يريد العرش وحسنه ، ويؤيده أن العرش وصف بالكرم في قوله ( رب العرش الكريم ) فجاز أيضا أن يوصف بالمجد ، لأن