الشيخ الطبرسي
306
تفسير مجمع البيان
يكون إعطاء الكتاب باليمين ، إمارة للملائكة والمؤمنين ، لكون صاحبه من أهل الجنة ، ولطفا للخلق في الإخبارية ، وكناية عن قبول أعماله ، وإعطاؤه على الوجه الآخر ، إمارة لهم على أن صاحبه من أهل النار ، وعلامة المناقشة في الحساب ، وسوء المآب . ثم حكى سبحانه ما يحل به ، فقال : ( فسوف يدعو ثبورا ) أي هلاكا إذا قرأ كتابه ، وهو أن يقول : وا ثبوراه ، وا هلاكاه ( ويصلى سعيرا ) أي يدخل النار ، ويعذب بها ، عن الجبائي . وقيل : يصير صلاء النار المسعرة . وقيل : يلزم النار معذبا على وجه التأبيد . ( إنه كان في أهله مسرورا ) في الدنيا ، ناعما لا يهمه أمر الآخرة ، ولا يتحمل مشقة العبادة ، فأبدله الله بسروره غما باقيا لا ينقطع ، وكان المؤمن مهتما بأمر الآخرة ، فأبدله الله بهمه سرورا لا يزول ، ولا يبيد . وقيل : كان مسرورا بمعاصي الله تعالى ، لا يندم عليها ، عن الجبائي . وقيل : إن من عصى وسر بمعصية الله ، فقد ظن أنه لا يرجع إلى البعث ، ولو كان موقنا بالبعث والجزاء ، لكان بعيدا عن السرور بالمعاصي . ( إنه ظن أن لن يحور ) أي ظن في دار التكليف أنه لن يرجع إلى حال الحياة في الآخرة للجزاء ، فارتكب المآثم ، وانتهك المحارم . وقال مقاتل : حسب أن لا يرجع إلى الله فقال سبحانه : ( بلى ) ليحورن وليبعثن ، وليس الأمر على ما ظنه ( إن ربه كان به بصيرا ) من يوم خلقه إلى أن يبعثه . قال الزجاج : كان به بصيرا قبل أن يخلقه عالما بأن مرجعه إليه . ثم أقسم سبحانه فقال : ( فلا أقسم ) ، سبق بيانه في سورة القيامة ( بالشفق ) أي بالحمرة التي تبقى عند المغرب في الأفق . وقيل : البياض ( والليل وما وسق ) أي وما جمع وضم مما كان منتشرا بالنهار في تصرفه ، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شئ إلى مأواه ، عن عكرمة وغيره . وقيل : وما ساق لأن ظلمة الليل تسوق كل شئ إلى مسكنه ، عن الضحاك ومقاتل . وقيل : وما وسق أي طرد من الكواكب ، فإنها تظهر بالليل ، وتخفى بالنهار . وأضاف ذلك إلى الليل لأن ظهورها فيه مطرد ، عن أبي مسلم . ( والقمر إذا اتسق ) أي إذا استوى واجتمع وتكامل وتم . قال الفراء : اتساقه امتلاؤه واجتماعه واستواؤه ، لثلاث عشرة إلى ست عشرة ( لتركبن طبقا عن طبق ) هذا جواب القسم أي : لتركبن يا محمد سماء بعد سماء ، تصعد فيها ، عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والشعبي والكلبي . ويجوز أن يريد درجة بعد درجة ،