الشيخ الطبرسي

305

تفسير مجمع البيان

وحقت ) ليس هذا بتكرار ، لأن الأول في صفة السماء ، والثاني في صفة الأرض ، وهذا كله من أشراط الساعة ، وجلائل الأمور التي تكون فيها ، والتقدير : إذا كانت هذه الأشياء التي ذكرناها وعددناها ، رأى الانسان ما قدم من خير أو شر ، ويدل على هذا المحذوف قوله : ( يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا ) ) أي ساع إليه في عملك . وقوله : يا أيها الانسان ) خطاب لجميع المكلفين من ولد آدم ، يقول الله لهم سبحانه ، ولكل واحد منهم : ( يا أيها الانسان إنك عامل عملا في مشقة لتحمله إلى الله ، وتوصله إليه . ( فملاقيه ) أي ملاق جزاءه ، جعل لقاء جزاء العمل لقاء له ، تفخيما لشأنه . وقيل : معناه ملاق ربك أي صائر إلى حكمه ، حيث لا حكم إلا حكمه . وقال ابن الأنباري والبلخي : جواب إذا قوله ( أذنت لربها وحقت ) والواو زائدة كقوله ( حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها ) وهذا ضعيف ، والأول هو الوجه . ثم قسم سبحانه أحوال الخلق يوم القيامة فقال : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) أي من أعطي كتابه الذي ثبت فيه أعماله ، من طاعة أو معصية ، بيده اليمنى . ( فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) يريد أنه لا يناقش في الحساب ، ولا يواقف على ما عمل من الحسنات ، وما له عليها من الثواب ، وما حط عنه من الأوزار ، إما بالتوبة أو بالعفو . وقيل : الحساب اليسير التجاوز عن السيئات ، والإثابة على الحسنات . ومن نوقش الحساب عذب في خبر مرفوع . وفي رواية أخرى ، يعرف عمله ثم يتجاوز عنه . وفي حديث آخر : ( ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسيرا ، وأدخله الجنة برحمته ) . قالوا : وما هي يا رسول الله ؟ قال : ( تعطي من حرمك ، وتصل من قطعك ، وتعفو عمن ظلمك ) . ( وينقلب ) بعد الفراغ من الحساب ( إلى أهله مسرورا ) بما أوتي من الخير والكرامة . والمراد بالأهل هنا ما أعد له من الحور العين . وقيل : أهله أزواجه وأولاده وعشائره ، وقد سبقوه إلى الجنة . والسرور هو الاعتقاد والعلم بوصول نفع إليه ، أو دفع ضرر عنه في المستقبل . وقال قوم : هو معنى في القلب يلتذ لأجله بنيل المشتهى . يقال : سر بكذا من مال ، أو ولد ، أو بلوغ أمر ، فهو مسرور ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ) لأن يمينه مغلولة إلى عنقه ، وتكون يده اليسرى خلف ظهره ، عن الكلبي . وقيل : تخلع يده اليسرى خلف ظهره ، عن مقاتل . والوجه في ذلك أن