الشيخ الطبرسي

286

تفسير مجمع البيان

سبحانه : ( ينبأ الانسان يومئذ بما قدم وأخر ) وقد مر ذكره . عن عبد الله بن مسعود قال : ما قدمت من خير أو شر ، وما أخرت من سنة حسنة استن بها بعده ، فله أجر من أتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شئ ، أو سنة سيئة عمل بها بعده ، فعليه وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شئ . ويؤيد هذا القول ما جاء في الحديث : إن سائلا قام على عهد النبي ( ص ) فسأل فسكت القوم . ثم إن رجلا أعطاه فأعطاه القوم . فقال النبي ( ص ) : ( من استن خيرا فاستن به ، فله أجره ، ومثل أجور من اتبعه من غير منتقص من أجورهم ، ومن استن شرا فاستن به ، فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه ، غير منتقص من أوزارهم ) . قال فتلا حذيفة بن اليمان ( علمت نفس ما قدمت وأخرت ) . ( يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم ) أي : أي شئ غرك بخالقك ، وخدعك ، وسول لك الباطل حتى عصيته وخالفته ، وروي أن النبي ( ص ) لما تلا هذه الآية قال : ( غره جهله ) . واختلف في معنى الكريم فقيل : هو المنعم الذي كل أفعاله إحسان وإنعام ، لا يجر به نفعا ، ولا يدفع به ضررا . وقيل : هو الذي يعطي ما عليه ، وما ليس عليه ، ولا يطلب ما له . وقيل : هو الذي يقبل اليسير ، ويعطي الكثير . وقيل : إن من كرمه سبحانه أنه لم يرض بالعفو عن السيئات حتى بدلها بالحسنات . وقيل للفضيل بن عياض : لو أقامك الله يوم القيامة بين يديه ، فقال : ما غرك بربك الكريم ، ماذا كنت تقول له ؟ قال : أقول غرني ستورك المرخاة ، وقال يحيى بن معاذ : لو أقامني الله بين يديه ، فقال : ما غرك بي ؟ قلت : غرني بك برك بي سالفا وآنفا . وعن بعضهم قال : غرني حلمك ، وعن أبي بكر الوراق : غرني كرم الكريم ، وإنما قال سبحانه الكريم ، دون سائر أسمائه وصفاته ، لأنه كأنه لقنه الإجابة حتى يقول : غرني كرم الكريم . وقال عبد الله بن مسعود : ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة ، فيقول : يا بن آدم ما غرك بي يا بن آدم ، ماذا عملت فيما عملت يا بن آدم . ماذا أجبت المرسلين . وقال أمير المؤمنين ( ع ) : كم مغرور بالستر عليه ، ومستدرج بالإحسان إليه . ( الذي خلقك ) من نطفة ، ولم تك شيئا ( فسواك ) إنسانا تسمع وتبصر ( فعدلك ) أي جعلك معتدلا . وقيل : معناه عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين ، عن مقاتل . والمعنى : عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الانسان منها اثنان ، لا تفضل يد على يد ، ولا رجل على رجل