الشيخ الطبرسي

128

تفسير مجمع البيان

متطلعين ، عن الحسن . وقيل : مقبلين عنك بوجوههم لا يلتفتون عنك أي : ناظرين إليك بالعداوة . والمراد بالذين كفروا هنا : المنافقون . ( عن اليمين وعن الشمال ) أي عن يمينك ، وعن شمالك ( عزين ) أي جماعات متفرقين ، عصبة عصبة ، وجماعة جماعة ( أيطمع كل امرئ منهم ) أي من هؤلاء المنافقين ب‍ ( أن يدخل جنة نعيم ) كما يدخل أولئك الموصوفون قبل هذا . وإنما قال هذا لأنهم كانوا يقولون : إن كان الأمر على ما قال محمد ، فإن لنا في الآخرة عند الله أفضل مما للمؤمنين كما أعطانا في الدنيا أفضل مما أعطاهم . ( كلا ) أي لا يكون ، ولا يدخلونها ( إنا خلقناهم مما يعلمون ) أي من النطفة ، عن الحسن . أي من كان أصله من هذا الماء المهين فكيف استوجب الجنة بأصله وبنفسه ، إنما يستوجبها بالأعمال الصالحة . نبه سبحانه بهذا على أن الناس كلهم من أصل واحد ، وإنما يتفاضلون بالإيمان والطاعة . وتحقيقه : إنما خلقناهم من المقاذر والأنجاس : فمتى يدخلون الجنة ، ولم يؤمنوا بي ، ولم يصدقوا رسولي . وقيل : معناه خلقناهم من الجنس الذين يعلمون ، أو من الخلق الذين يعلمون ويفقهون ، ويلزمهم الحجة ، ولم نخلقهم من الجنس الذي لا يفقه كالبهائم والطير وقيل : معناه خلقناهم من أجل ما يعلمون من الثواب والعقاب ، والتكليف للطاعات ، تعريضا للثواب ، كما يقول القائل : غضبت عليك مما تعلم أي من أجل ما تعلم قال الأعشى : أأزمعت من آل ليلى ابتكارا * وشطت على ذي هوى أن تزارا ( 1 ) أي من أجل آل ليلى . ودل قوله ( وشطت على ذي هوى ) أنه لم يزمع من عندهم ، وإنما أزمع من أجلهم للمصير إليهم ( فلا أقسم ) هو مفسر في سورة الحاقة ( برب المشارق والمغارب ) يعني مشارق الشمس ومغاربها ، فإن لها ثلاثمائة وستين مطلعا ، لكل يوم مطلع لا تعود إليه إلى قابل ، عن ابن عباس ( 2 ) ( إنا لقادرون على

--> ( 1 ) هذا البيت مطلع قصيدة قالها في مدح قيس بن معد يكرب . وأزمعت أي : عزمت وقصدت . و ( ابتكارا ) هو في الأصل الخروج في وقت البكرة وأراد به الارتحال . ( وشطت ) ، أي بعدت . ( 2 ) قال بعض الأساتذة دام ظله : إن في هذه الآية وما يضاهيها من الآيات الكريمة مثل قوله تعالى : ( كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ) الأعراف ( 137 ) إشارة إلى كروية الأرض ، فإن طلوع الشمس على جزء من أجزاء الكرة الأرضية ، يلازم غروبها عن جزء آخر ، فيكون تعدد المشارق والمغارب واضحا ، لا تكلف فيه ، ولا تعسف . وأما الحمل على تعدد مطالع الشمس ومغاربها باختلاف أيام السنة فإنه تكلف لا ينبغي أن يصار إليه ، لان الشمس لم يكن لها مطالع معينة ، ليقع الحلف بها ، بل تختلف تلك باختلاف الأراضي . فلا بد من أن يراد بها المشارق والمغارب التي تتجدد شيئا فشيئا باعتبار كروية الأرض ، وحركتها .