الآمدي

153

الاحكام

المسألة الثانية مذهب أصحابنا جواز تكليف المعدوم ، وربما أشكل فهم ذلك مع إحالتنا لتكليف الصبي والمجنون والغافل والسكران ، لعدم الفهم للتكاليف . والمعدوم أسوأ حالا من هؤلاء في هذا المعنى لوجود أصل الفهم في حقهم ، وعدمه بالكلية في حق المعدوم ، حتى أنكر ذلك جميع الطوائف . وكشف الغطاء عن ذلك أنا لا نقول بكون المعدوم مكلفا بالاتيان بالفعل حالة عدمه بل معنى كونه مكلفا حالة العدم قيام الطلب القديم بذات الرب تعالى للفعل من المعدوم ، بتقدير وجوده ، وتهيئته لفهم الخطاب . فإذا وجدوا مهيأ للتكليف صار مكلفا بذلك الطلب والاقتضاء القديم . فإن الوالد لو وصى عند موته لمن سيوجد بعده من أولاده بوصية ، فإن الولد ، بتقدير وجوده وفهمه ، يصير مكلفا بوصية والده ، حتى أنه يوصف بالطاعة والعصيان ، بتقدير المخالفة والامتثال . وأيضا ، فإننا في وقتنا هذا ، نوصف بكوننا مأمورين بأمر النبي عليه السلام ، وإن كان أمره في الحال معدوما . وليس ذلك إلا بما وجد منه من الامر ، حال وجوده . ومثل هذا التكليف ثابت بالنسبة إلى الصبي والمجنون ، بتقدير فهمه ، أيضا ، بل أولى من حيث إن المشترط في حقه الفهم لا غير ، وفي حق المعدوم الفهم والوجود . وهل يسمى التكليف بهذا التفسير في الأزل خطابا للمعدوم ، وأمرا له عرفا .