الهيثمي

42

موارد الظمآن

هذا هو الترتيب الذي ابتدعته عقلية جبارة ، عميقة الغور ، دقيقة التنظيم ، قد اجتمع لصاحبها من الصفات ، ما لا يجتمع إلا في القليل النادر من الناس ، فهو الذكي الألمعي ، وهو الباحث المنقب ، وهو العالم المطلع ، وهو الناقد العبقري . اطلع على كل ما تركه السابقون - وقد أنضجه الزمان ، وصقلته التجربة ، ومحصته الاختبارات ، فنفذ ببصيرته إلى لبه ، وتغلغل في أعماقه ، وتعرف أسراره ، مراعيا القانون الجامع ، ليربط به الجزئيات ، ويجمع حوله الأشتات التي تربطها به رابطة من معنى ، فيوصف ذلك في تقسيم واحد متفرع إلى أنواع . هذا هو الترتيب الذي وصفه السيوطي في ( التدريب ) بقوله : ( صحيح ابن حبان ترتيبه مخترع ، ليس على الأبواب ، وليس على المسانيد ، ولهذا سماه ( التقاسيم والأنواع ) . . . ) ( 1 ) . فكيف استقبل هذا الترتيب ، وماذا قال العلماء فيه ؟ أول عبارة نطالعها في الحكم على أسلوب ابن حبان وترتيبه لصحيحه - فيما اطلعنا عليه - عبارة قالها الإمام الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) ( 2 ) : ( وقد اعترف - يعني ابن حبان - أن صحيحه لا يقدر على الكشف منه إلا من حفظه ، كمن عنده مصحف لا يقدر على موضع آية يريدها منه إلا من حفظه ) . وهي عبارة مبتورة ، تناولها الذهبي بحذر ليجعلها دليلا على صحة حكمه . ولعظيم مكانة الحافظ الذهبي في النفوس - وهو بها جدير - وهو

--> ( 1 ) تدريب الراوي 1 / 109 . ( 2 ) سير أعلام النبلاء 16 / 97 .