محمد الريشهري
3345
ميزان الحكمة
وفنون من مكائدهم ، كانسلالهم من الجند الإسلامي يوم أحد وهم ثلثهم تقريبا ، وعقدهم الحلف مع اليهود ، واستنهاضهم على المسلمين ، وبنائهم مسجد الضرار ، وإشاعتهم حديث الإفك ، وإثارتهم الفتنة في قصة السقاية وقصة العقبة . . . إلى غير ذلك مما تشير إليه الآيات ، حتى بلغ أمرهم في الإفساد وتقليب الأمور على النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى حيث هددهم الله بمثل قوله : * ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا ) * ( 1 ) . وقد استفاضت الأخبار وتكاثرت في أن عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه من المنافقين وهم الذين كانوا يقلبون الأمور على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ويتربصون به الدوائر ، وكانوا معروفين عند المؤمنين يقربون من ثلث القوم ، وهم الذين خذلوا المؤمنين يوم أحد فانمازوا منهم ورجعوا إلى المدينة قائلين : لو نعلم قتالا لاتبعناكم وهم عبد الله بن أبي وأصحابه . ومن هنا ذكر بعضهم أن حركة النفاق بدأت بدخول الإسلام المدينة واستمرت إلى قرب وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) . هذا ما ذكره جمع منهم ، لكن التدبر في حوادث زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) والإمعان في الفتن الواقعة بعد الرحلة والاعتناء بطبيعة الاجتماع الفعالة يقضي عليه بالنظر : أما أولا : فلا دليل مقنعا على عدم تسرب النفاق في متبعي النبي ( صلى الله عليه وآله ) المؤمنين بمكة قبل الهجرة ، وقول القائل : ان النبي ( صلى الله عليه وآله ) والمسلمين بمكة قبل الهجرة لم يكونوا من القوة ونفوذ الأمر وسعة الطول بحيث يهابهم الناس ويتقوهم أو يرجوا منهم خيرا حتى يظهروا لهم الإيمان ظاهرا ويتقربوا منهم بالإسلام ، وهم مضطهدون مفتنون معذبون بأيدي صناديد قريش ومشركي مكة المعادين لهم المعاندين للحق ، بخلاف حال النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالمدينة بعد الهجرة فإنه ( صلى الله عليه وآله ) هاجر إليها وقد كسب أنصارا من الأوس والخزرج واستوثق من أقوياء رجالهم أن يدفعوا عنهم كما يدفعون عن أنفسهم وأهليهم ، وقد دخل الإسلام في بيوت عامتهم فكان مستظهرا بهم على العدة القليلة الذين لم يؤمنوا به وبقوا على شركهم ، ولم يكن يسعهم أن يعلنوا مخالفتهم ويظهروا شركهم فتوقوا الشر بإظهار الإسلام ، فآمنوا به ظاهرا وهم على كفرهم باطنا ، فدسوا الدسائس ومكروا ما مكروا . غير تام ، فما القدرة والقوة المخالفة المهيبة ورجاء الخير بالفعل والاستدرار المعجل علة منحصرة للنفاق حتى يحكم بانتفاء النفاق لانتفائها ، فكثيرا ما نجد في المجتمعات رجالا يتبعون كل داع ويتجمعون إلى كل ناعق ، ولا يعبؤون بمخالفة القوى المخالفة القاهرة الطاحنة ، ويعيشون على خطر مصرين على ذلك رجاء أن يوفقوا يوما لإجراء مرامهم ويتحكموا على الناس باستقلالهم بإدارة رحى المجتمع والعلو في الأرض ، وقد كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يذكر
--> ( 1 ) الأحزاب : 61 .