محمد الريشهري
3346
ميزان الحكمة
في دعوته لقومه أن لو آمنوا به واتبعوه كانوا ملوك الأرض . فمن الجائز عقلا أن يكون بعض من آمن به يتبعه في ظاهر دينه طمعا في البلوغ بذلك إلى أمنيته وهي التقدم والرئاسة والاستعلاء ، والأثر المترتب على هذا النوع من النفاق ليس هو تقليب الأمور وتربص الدوائر على الإسلام والمسلمين وإفساد المجتمع الديني ، بل تقويته بما أمكن وتفديته بالمال والجاه لينتظم بذلك الأمور ويتهيأ لاستفادته منه واستدراره لنفع شخصه . . نعم يمكر مثل هذا المنافق بالمخالفة والمضادة فيما إذا لاح من الدين مثلا ما يخالف أمنية تقدمه وتسلطه ، إرجاعا للأمر إلى سبيل ينتهي إلى غرضه الفاسد . وأيضا من الممكن أن يكون بعض المسلمين يرتاب في دينه فيرتد ويكتم ارتداده ، كما مرت الإشارة إليه في قوله تعالى : * ( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا . . . ) * الآية ، وكما يظهر من لحن مثل قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ) * ( 1 ) . وأيضا الذين آمنوا من مشركي مكة يوم الفتح لا يؤمن أكثرهم أن لا يؤمنوا إيمان صدق وإخلاص ، ومن البديهي عند من تدبر في حوادث سني الدعوة أن كفار مكة وما والاها - وخاصة صناديد قريش - ما كانوا ليؤمنوا بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) لولا سواد جنود غشيتهم وبريق سيوف مسلطة فوق رؤوسهم يوم الفتح ، وكيف يمكن مع ذلك القضاء بأنه حدث في قلوبهم - والظرف هذا الظرف - نور الإيمان وفي نفوسهم الإخلاص واليقين فآمنوا بالله طوعا عن آخرهم ولم يدب فيهم دبيب النفاق أصلا . وأما ثانيا : فلأن استمرار النفاق إلى قرب رحلة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وانقطاعه عند ذلك ممنوع ، نعم انقطع الخبر عن المنافقين بالرحلة وانعقاد الخلافة وانمحى أثرهم ، فلم يظهر منهم ما كان يظهر من الآثار المضادة والمكائد والدسائس المشؤومة . فهل كان ذلك لأن المنافقين وفقوا للإسلام وأخلصوا الإيمان عن آخرهم برحلة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتأثرت قلوبهم من موته ما لم يتأثر بحياته ؟ أو أنهم صالحوا أولياء الحكومة الإسلامية على ترك المزاحمة بأن يسمح لهم ما فيه أمنيتهم مصالحة سرية بعد الرحلة أو قبلها ؟ أو أنه وقع هناك تصالح اتفاقي بينهم وبين المسلمين فوردوا جميعا في مشرعة سواء فارتفع التصاك والتصادم ؟ . ولعل التدبر الكافي في حوادث آخر عهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) والفتن الواقعة بعد رحلته يهدي إلى الحصول على جواب شاف لهذه الأسئلة . والذي أوردناه في هذا الفصل إشارة إجمالية إلى سبيل البحث ( 2 ) . أقول : وقال العلامة في تفسير قوله تعالى :
--> ( 1 ) المائدة : 54 . ( 2 ) تفسير الميزان : 19 / 287 .