محمد الريشهري
3329
ميزان الحكمة
إن ذلك على الله يسير ) * فإن الآية دعت إلى ترك الأسى والفرح بأن الذي أصابكم ما كان ليخطئكم وما أخطأكم ما كان ليصيبكم ، لاستناد الحوادث إلى قضاء مقضي وقدر مقدر ، فالأسى والفرح لغو لا ينبغي صدوره من مؤمن يؤمن بالله الذي بيده أزمة الأمور ، كما يشير إليه قوله تعالى : * ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) * فهذا القسم من الآيات أيضا نظير القسم السابق الذي يتسبب فيه إلى إصلاح الأخلاق بالغايات الشريفة الأخروية ، وهي كمالات حقيقية غير ظنية يتسبب فيه إلى إصلاح الأخلاق بالمبادئ السابقة - الحقيقية من القدر والقضاء والتخلق بأخلاق الله والتذكر بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا ونحو ذلك . فان قلت : التسبب بمثل القضاء والقدر يوجب بطلان أحكام هذه النشأة الاختيارية ، وفي ذلك بطلان الأخلاق الفاضلة ، واختلال نظام هذه النشأة الطبيعية ، فإنه لو جاز الاستناد في إصلاح صفة الصبر والثبات وترك الفرح والأسى - كما استفيد من الآية السابقة - إلى كون الحوادث مكتوبة في لوح محفوظ ومقضية بقضاء محتوم ، أمكن الاستناد إلى ذلك في ترك طلب الرزق ، وكسب كل كمال مطلوب ، والإتقاء عن كل رذيلة خلقية وغير ذلك ، فيجوز حينئذ أن نقعد عن طلب الرزق والدفاع عن الحق ونحو ذلك بأن الذي سيقع منه مقضي مكتوب ، وكذا يجوز أن نترك السعي في كسب كل كمال وترك كل نقص بالاستناد إلى حتم القضاء وحقيقة الكتاب ، وفي ذلك بطلان كل كمال . قلت : قد ذكرنا في البحث عن القضاء ما يتضح به الجواب عن هذا الإشكال ، فقد ذكرنا ثم أن الأفعال الإنسانية من أجزاء علل الحوادث ، ومن المعلوم أن المعاليل والمسببات يتوقف وجودها على وجود أسبابها وأجزاء أسبابها ، فقول القائل : إن الشبع إما مقضي الوجود وإما مقضي العدم ، وعلى كل حال فلا تأثير للأكل ، غلط فاحش ، فإن الشبع فرض تحققه في الخارج لا يستقيم إلا بعد فرض تحقق الأكل الاختياري الذي هو أحد أجزاء علله ، فمن الخطاء أن يفرض الإنسان معلولا من المعاليل ، ثم يحكم بإلغاء علله أو شئ من أجزاء علله . فغير جايز أن يبطل الإنسان حكم الاختيار الذي عليه مدار حياته الدنيوية ، وإليه تنتسب سعادته وشقاؤه ، وهو أحد أجزاء علل الحوادث التي تلحق وجوده من أفعاله أو الأحوال والملكات الحاصلة من أفعاله ، غير أنه كما لا يجوز له إخراج إرادته واختياره من زمرة العلل ، وإبطال حكمه في التأثير ، كذلك لا يجوز له أن يحكم بكون اختياره سببا وحيدا وعلة تامة إليه تستند الحوادث ، من غير أن يشاركه شئ آخر من أجزاء العالم والعلل الموجودة فيه التي في رأسها الإرادة الإلهية ، فإنه يتفرع عليه كثير من الصفات المذمومة كالعجب والكبر والبخل والفرح والأسى والغم . . . ونحو ذلك يقول الجاهل : أنا الذي فعلت كذا ، وتركت كذا فيعجب بنفسه أو يستكبر على غيره أو يبخل