محمد الريشهري
3330
ميزان الحكمة
بماله ، وهو جاهل بأن بقية الأسباب الخارجة عن اختياره الناقص - وهي ألوف وألوف - لو لم يمهد له الأمر لم يسد اختياره شيئا ، ولا أغنى عن شئ . يقول الجاهل : لو أني فعلت كذا لما تضررت بكذا ، أو لما فات عني كذا ، وهو جاهل بأن هذا الفوت أو الموت يستند عدمه - أعني الربح أو العافية ، أو الحياة - إلى ألوف وألوف من العلل يكفي في انعدامها - أعني في تحقق الفوات أو الموت - انعدام واحد منها ، وإن كان اختياره موجودا . على أن نفس اختيار الإنسان مستند إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار الإنسان ، فالاختيار لا يكون بالاختيار . فإذا عرفت ما ذكرنا - وهو حقيقة قرآنية يعطيها التعليم الإلهي كما مر - ثم تدبرت في الآيات الشريفة التي في المورد ، وجدت أن القرآن يستند إلى القضاء المحتوم والكتاب المحفوظ في إصلاح بعض الأخلاق دون بعض . فما كان من الأفعال أو الأحوال والملكات يوجب استنادها إلى القضاء والقدر إبطال حكم الاختيار فإن القرآن لا يستند إليه ، بل يدفعه كل الدفع ، كقوله تعالى : * ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ) * ( 1 ) . وما كان منها يوجب سلب استنادها إلى القضاء إثبات استقلال اختيار الإنسان في التأثير ، وكونه سببا تاما غير محتاج في التأثير ، ومستغنيا عن غيره ، فإنه يثبت استناده إلى القضاء ويهدي الإنسان إلى مستقيم الصراط الذي لا يخطئ بسالكه ، حتى ينتفي عنه رذائل الصفات التي تتبعه كإسناد الحوادث إلى القضاء كي لا يفرح الإنسان بما وجده جهلا ، ولا يحزن بما فقده جهلا ، كما في قوله تعالى : * ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) * ( 2 ) ، فإنه يدعو إلى الجود بإسناد المال إلى إيتاء الله تعالى ، وكما في قوله تعالى : * ( ومما رزقناهم ينفقون ) * ( 3 ) ، فإنه يندب إلى الإنفاق بالاستناد إلى أنه من رزق الله تعالى ، وكما في قوله تعالى : * ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) * ( 4 ) ، نهى رسوله ( صلى الله عليه وآله ) عن الحزن والغم استنادا إلى أن كفرهم ليس غلبة منهم على الله سبحانه ، بل ما على الأرض من شئ أمور مجعولة عليها للابتلاء والامتحان إلى غير ذلك . وهذا المسلك - أعني الطريقة الثانية في إصلاح الأخلاق - طريقة الأنبياء ، ومنه شئ كثير في القرآن ، وفيما ينقل إلينا من الكتب السماوية . وهاهنا مسلك ثالث مخصوص بالقرآن الكريم لا يوجد في شئ مما نقل إلينا من الكتب السماوية ، وتعاليم الأنبياء الماضين سلام الله عليهم أجمعين ، ولا في المعارف المأثورة من الحكماء الإلهيين ، وهو تربية الإنسان وصفا
--> ( 1 ) الأعراف : 28 . ( 2 ) النور : 33 . ( 3 ) البقرة : 3 . ( 4 ) الكهف : 7 .