محمد الريشهري
3328
ميزان الحكمة
إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن الطريق إلى تهذيب الأخلاق واكتساب الفاضلة منها أحد مسلكين : المسلك الأول : تهذيبها بالغايات الصالحة الدنيوية ، والعلوم والآراء المحمودة عند الناس ، كما يقال : إن العفة وقناعة الإنسان بما عنده والكف عما عند الناس توجب العزة والعظمة في أعين الناس والجاه عند العامة ، وإن الشره يوجب الخصاصة والفقر ، وإن الطمع يوجب ذلة النفس المنيعة ، وإن العلم يوجب إقبال العامة والعزة والوجاهة والانس عند الخاصة ، وإن العلم بصر يتقي به الإنسان كل مكروه ، ويدرك كل محبوب ، وإن الجهل عمى ، وإن العلم يحفظك وأنت تحفظ المال وإن الشجاعة ثبات يمنع النفس عن التلون والحمد من الناس على أي تقدير سواء غلب الإنسان أو غلب عليه بخلاف الجبن والتهور ، وإن العدالة راحة النفس عن الهمم المؤذية ، وهي الحياة بعد الموت ببقاء الاسم وحسن الذكر وجميل الثناء والمحبة في القلوب . وهذا هو المسلك المعهود الذي رتب عليه علم الأخلاق ، والمأثور من بحث الأقدمين من يونان وغيرهم فيه . ولم يستعمل القرآن هذا المسلك الذي بناؤه على انتخاب الممدوح عند عامة الناس عن المذموم عندهم ، والأخذ بما يستحسنه الاجتماع وترك ما يستقبحه ، نعم ربما جرى عليه كلامه تعالى فيما يرجع بالحقيقة إلى ثواب أخروي أو عقاب أخروي كقوله تعالى : * ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ) * ( 1 ) ، دعا سبحانه إلى العزم والثبات ، وعلله بقوله : * ( لئلا يكون ) * وكقوله تعالى : * ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ) * ( 2 ) ، دعا سبحانه إلى الصبر وعلله بأن تركه وإيجاد النزاع يوجب الفشل وذهاب الريح وجرأة العدو ، وقوله تعالى : * ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) * ( 3 ) دعا إلى الصبر والعفو ، وعلله بالعزم والإعظام . المسلك الثاني : الغايات الأخروية ، وقد كثر ذكرها في كلامه تعالى ، كقوله سبحانه : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) * ( 4 ) ، وقوله تعالى : * ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) * ( 5 ) ، وقوله تعالى : * ( إن الظالمين لهم عذاب أليم ) * ( 6 ) ، وقوله تعالى : * ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) * ( 7 ) ، وأمثالها كثيرة على اختلاف فنونها . ويلحق بهذا القسم نوع آخر من الآيات ، كقوله تعالى : * ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها
--> ( 1 ) البقرة : 150 . ( 2 ) الأنفال : 46 . ( 3 ) الشورى : 43 . ( 4 ) التوبة : 111 . ( 5 ) الزمر : 10 . ( 6 ) إبراهيم : 22 . ( 7 ) البقرة : 257 .