محمد الريشهري

2923

ميزان الحكمة

وأحسوا بالفتنة والفساد ، وهددهم اختلال النظم ووقوع الهرج ، فبادروا إلى تقديم بعض اولي الطول والقوة منهم وألقوا إليه زمام الملك ، فصار ملكا يملك أزمة الأمور ، ثم يعود الأمر على ما كان عليه من التعدي والتحميل . ولم تزل الاجتماعات على هذه الحال برهة بعد برهة حتى تضجرت من سوء سير هؤلاء المتسمين بالملوك في مظالمهم باستبدادهم في الرأي وإطلاقهم فيما يشاؤون ، فوضعت قوانين تعين وظائف الحكومة الجارية بين الأمم وأجبرت الملوك باتباعها وصار الملك ملكا مشروطا بعد ما كان مطلقا ، واتحد الناس على التحفظ على ذلك وكان الملك موروثا . ثم أحست اجتماعات ببغي ملوكهم وسوء سيرهم ، ولا سبيل إليهم بعد ركوب أريكة الملك وتثبيتهم كون الملك موهبة غير متغيرة موروثة ، فبدلوا الملك برئاسة الجمهور ، فانقلب الملك المؤبد المشروط إلى ملك مؤجل مشروط ، وربما وجد في الأقوام والأمم المختلفة أنواع من الملك دعاهم إلى وضعه الفرار عن المظالم التي شاهدوها ممن بيده زمام أمرهم ، وربما حدث في مستقبل الأيام ما لم ينتقل أفهامنا إليه إلى هذا الآن . لكن الذي يتحصل من جميع هذه المساعي التي بذلتها الاجتماعات في سبيل إصلاح هذا الأمر - أعني إلقاء زمام الأمة إلى من يدبر أمرها ، ويجمع شتات إراداتها المتضادة وقواها المتنافية - أن لاغنى للمجتمع الإنساني عن هذا المقام وهو مقام الملك وإن تغيرت أسماؤه ، وتبدلت شرائطه بحسب اختلاف الأمم ومرور الأيام ، فإن طروق الهرج والمرج واختلال أمر الحياة الاجتماعية على جميع التقادير من لوازم عدم اجتماع أزمة الإرادات والمقاصد في إرادة واحدة لإنسان واحد أو مقام واحد . وهذا هو الذي تقدم في أول الكلام : أن الملك من الاعتبارات الضرورية في الاجتماع الإنساني . وهو مثل سائر الموضوعات الاعتبارية التي لم يزل الاجتماع بصدد تكميلها وإصلاحها ورفع نواقصها وآثارها المضادة لسعادة الإنسانية . وللنبوة في هذا الإصلاح السهم الأوفى ، فإن من المسلم في علم الاجتماع أن انتشار قول ما من الأقوال بين العامة - وخاصة إذا كان مما يرتبط بالغريزة ، ويستحسنه القريحة ، ويطمأن إليه النفوس المتوقعة - أقوى سبب لتوحيد الميول المتفرقة وجعل الجماعات المتشتتة يدا واحدا تقبض وتبسط بإرادة واحدة لا يقوم لها شئ . ومن الضروري أن النبوة منذ أقدم عهود ظهورها تدعو الناس إلى العدل ، وتمنعهم عن الظلم ، وتندبهم إلى عبادة الله والتسليم له ، وتنهاهم عن اتباع الفراعنة الطاغين ، والنماردة المستكبرين المتغلبين ، ولم تزل هذه الدعوة بين الأمم منذ قرون متراكمة جيلا بعد جيل وأمة بعد أمة وإن اختلفت بحسب السعة والضيق باختلاف الأمم والأزمنة ، ومن المحال أن يلبث مثل هذا العامل القوي بين الاجتماعات الإنسانية قرونا