محمد الريشهري

2924

ميزان الحكمة

متمادية وهو منعزل عن الأثر خال عن الفعل . وقد حكى القرآن الكريم في ذلك شيئا كثيرا من الوحي المنزل على الأنبياء ( عليهم السلام ) كما حكى عن نوح فيما يشكوه لربه : * ( رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا * ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا تذرن آلهتكم ) * ( 1 ) ، وكذا ما وقع بينه وبين عظماء قومه من الجدال على ما يحكيه القرآن ، قال تعالى : * ( قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ) * ( 2 ) ، وقول هود ( عليه السلام ) لقومه : * ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين ) * ( 3 ) ، وقول صالح ( عليه السلام ) لقومه : * ( فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) * ( 4 ) . . . وأما أن الملك - بالضم - من ضروريات المجتمع الإنساني فيكفي في بيانه أتم بيان قوله تعالى بعد سرد قصة طالوت : * ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) * ( 5 ) ، وقد مر بيان كيفية دلالة الآية بوجه عام . وفي القرآن آيات كثيرة تتعرض للملك والولاية وافتراض الطاعة ونحو ذلك ، وأخرى تعده نعمة وموهبة كقوله تعالى : * ( وآتيناهم ملكا عظيما ) * ( 6 ) ، وقوله تعالى : * ( وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) * ( 7 ) ، وقوله تعالى : * ( والله يؤتي ملكه من يشاء ) * ( 8 ) ، إلى غير ذلك من الآيات . غير أن القرآن إنما يعده كرامة إذا اجتمع مع التقوى ، لحصره الكرامة على التقوى من بين جميع ما ربما يتخيل فيه شئ من الكرامة من مزايا الحياة ، قال تعالى : * ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) * ( 9 ) ، والتقوى حسابه على الله ليس لأحد أن يستعلي به على أحد ، فلا فخر لأحد على أحد بشئ ، لأنه إن كان أمرا دنيويا فلا مزية لأمر دنيوي ولا قدر إلا للدين ، وإن كان أمرا أخرويا فأمره إلى الله سبحانه ، وعلى الجملة : لا يبقى للإنسان المتلبس بهذه النعمة - أعني الملك - في نظر رجل مسلم إلا تحمل الجهد ومشقة التقلد والأعباء ، نعم له عند ربه عظيم الأجر ومزيد الثواب إن لازم صراط العدل والتقوى . وهذا هو روح السيرة الصالحة التي لازمها أولياء الدين ، وسنشبع إن شاء الله العزيز هذا المعنى في بحث مستقل في سيرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والطاهرين من آله الثابتة بالآثار الصحيحة ،

--> ( 1 ) نوح : 21 - 23 . ( 2 ) الشعراء : ( 111 - 113 ) ، ( 128 - 130 ) . ( 3 ) الشعراء : ( 111 - 113 ) ، ( 128 - 130 ) . ( 4 ) الشعراء : 150 - 152 . ( 5 ) البقرة : 251 . ( 6 ) النساء : 54 . ( 7 ) المائدة : 20 . ( 8 ) البقرة : 247 . ( 9 ) الحجرات : 13 .