محمد الريشهري
2922
ميزان الحكمة
وغيرهما في موارد يناسب ذلك إن شاء الله العزيز ( 1 ) . وقال بعد تفسير قوله تعالى : * ( قل اللهم مالك الملك . . . ) * ( 2 ) في معنى الملك واعتباره ، ما نصه : بحث علمي : قد تقدم في بعض ما مر من الأبحاث السابقة : أن اعتبار أصل الملك - بالكسر - من الاعتبارات الضرورية التي لاغنى للبشر عنها في حال سواء كان منفردا أو مجتمعا ، وأن أصله ينتهي إلى اعتبار الاختصاص ، فهذا حال الملك - بالكسر - . وأما الملك - بالضم - وهو السلطنة على الأفراد فهو أيضا من الاعتبارات الضرورية التي لاغنى للإنسان عنها ، لكن الذي يحتاج إليه ابتداءا هو الاجتماع من حيث تألفه من أجزاء كثيرة مختلفة المقاصد متبائنة الإرادات دون الفرد من حيث إنه فرد ، فإن الأفراد المجتمعين لتبائن إراداتهم واختلاف مقاصدهم لا يلبثون دون أن يقع الاختلاف بينهم فيتغلب كل على الآخرين في أخذ ما بأيديهم ، والتعدي على حومة حدودهم وهضم حقوقهم فيقع الهرج والمرج ، ويصير الاجتماع الذي اتخذوه وسيلة إلى سعادة الحياة ذريعة إلى الشقاء والهلاك ، ويعود الدواء داءا ، ولا سبيل إلى رفع هذه الغائلة الطارية إلا بجعل قوة قاهرة على سائر القوى مسيطرة على جميع الأفراد المجتمعين حتى تعيد القوى الطاغية المستعلية إلى حاق الوسط ، وترفع الدانية المستهلكة إليه أيضا ، فتتحد جميع القوى من حيث المستوى ، ثم تضع كل واحدة منها في محلها الخاص وتعطي كل ذي حق حقه . ولما لم تكن الإنسانية في حين من الأحيان خالية الذهن عن فكر الاستخدام - كما مر بيانه سالفا - لم يكن الاجتماعات في الأعصار السالفة خالية عن رجال متغلبين على الملك مستعلين على سائر الأفراد المجتمعين ببسط الرقية والتملك على النفوس والأموال ، وكانت بعض فوائد الملك الذي ذكرناه - وهو وجود من يمنع عن طغيان بعض الأفراد على بعض - يترتب على وجود هذا الصنف من المتغلبين المستعلين المتظاهرين باسم الملك في الجملة وإن كانوا هم أنفسهم وأعضادهم وجلاوزتهم قوى طاغية من غير حق مرضي ، وذلك لكونهم مضطرين إلى حفظ الأفراد في حال الذلة والاضطهاد حتى لا يتقوى من يثب على حقوق بعض الأفراد فيثب يوما عليهم أنفسهم ، كما أنهم أنفسهم وثبوا على ما في أيدي غيرهم . وبالجملة : بقاء جل الأفراد على حال التسالم خوفا من الملوك المسيطرين عليهم كان يصرف الناس عن الفكر في اعتبار الملك الاجتماعي ، وإنما يشتغلون بحمد سيرة هؤلاء المتغلبين إذا لم يبلغ تعديهم مبلغ جهدهم ، ويتظلمون ويشتكون إذا بلغ بهم الجهد وحمل عليهم من التعدي ما يفوق طاقتهم . نعم ربما فقدوا بعض هؤلاء المتسمين بالملوك والرؤساء بهلاك أو قتل أو نحو ذلك ،
--> ( 1 ) الميزان : 2 / 53 . ( 2 ) آل عمران : 26 .