محمد الريشهري
2485
ميزان الحكمة
الواقعة ، وأكثرها - وهو الأصح - أنها كانت في رجب السنة الثانية من الهجرة الشهر السابع عشر منها ( 1 ) . بحث علمي : تشريع القبلة في الإسلام ، واعتبار الاستقبال في الصلاة - وهي عبادة عامة بين المسلمين - وكذا في الذبائح ، وغير ذلك مما يبتلى به عموم الناس أحوج الناس إلى البحث عن جهة القبلة وتعيينها وقد كان ذلك منهم في أول الأمر بالظن والحسبان ونوع من التخمين ، ثم استنهض الحاجة العمومية الرياضيين من علمائهم أن يقربوه من التحقيق ، فاستفادوا من الجداول الموضوعة في الزيجات لبيان عرض البلاد وطولها ، واستخرجوا انحراف مكة عن نقطة الجنوب في البلد ، أي انحراف الخط الموصول بين البلد ومكة عن الخط الموصول بين البلد ونقطة الجنوب ( خط نصف النهار ) بحساب الجيوب والمثلثات ، ثم عينوا ذلك في كل بلدة من بلاد الإسلام بالدائرة الهندية المعروفة المعينة لخط نصف النهار ، ثم درجات الانحراف وخط القبلة . ثم استعملوا لتسريع العمل وسهولته الآلة المغناطيسية المعروفة بالحك ، فإنها بعقربتها تعين جهة الشمال والجنوب ، فتنوب عن الدائرة الهندية في تعيين نقطة الجنوب ، وبالعلم بدرجة انحراف البلد يمكن للمستعمل أن يشخص جهة القبلة . لكن هذا السعي منهم - شكر الله تعالى سعيهم - لم يخل من النقص والاشتباه من الجهتين جميعا . أما من جهة الأولى : فإن المتأخرين من الرياضيين عثروا على أن المتقدمين اشتبه عليهم الأمر في تشخيص الطول ، واختل بذلك حساب الانحراف فتشخيص جهة الكعبة ، وذلك أن طريقهم إلى تشخيص عرض البلاد - وهو ضبط ارتفاع القطب الشمالي - كان أقرب إلى التحقيق ، بخلاف الطريق إلى تشخيص الطول ، وهو ضبط المسافة بين النقطتين المشتركتين في حادثة سماوية مشتركة ، كالخسوف بمقدار سير الشمس حسا عندهم ، وهو التقدير بالساعة ، فقد كان هذا بالوسائل القديمة عسيرا وعلى غير دقة ، لكن توفر الوسائل وقرب الروابط اليوم سهل الأمر كل التسهيل ، فلم تزل الحاجة قائمة على ساق ، حتى قام الشيخ الفاضل البارع الشهير بالسردار الكابلي - رحمة الله عليه - في هذه الأواخر بهذا الشأن ، فاستخرج الانحراف القبلي بالأصول الحديثة ، وعمل فيه رسالته المعروفة ب " تحفة الأجلة في معرفة القبلة " وهي رسالة ظريفة بين فيها طريق عمل استخراج القبلة بالبيان الرياضي ، ووضع فيها جداول لتعيين قبلة البلاد . ومن ألطف ما وفق له في سعيه - شكر الله سعيه - ما أظهر به كرامة باهرة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) في محرابه المحفوظ في مسجد النبي بالمدينة . وذلك أن المدينة على ما حاسبه القدماء كانت ذات عرض 25 درجة وطول 75 درجة 20 دقيقة ، وكانت لا توافقه قبلة محراب النبي ( صلى الله عليه وآله )
--> ( 1 ) تفسير الميزان : 1 / 331 .