محمد الريشهري

2320

ميزان الحكمة

فصفهم ثم أتى الصف من رأسه ذا إلى رأسه ذا مرتين ثم قال : من يأخذ هذا المصحف فيمشي به إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى كتاب الله ربهم وسنة نبيهم وهو مقتول وله الجنة ! فلم يجبه إلا شاب من بني عامر بن صعصعة ، فقال له علي : خذ ! فأخذ المصحف ، فقال له : أما إنك مقتول ولست مقبلا علينا بوجهك حتى يرشقوك بالنبل ! فخرج الشاب بالمصحف إلى القوم ، فلما دنا منهم حيث يسمعون قاموا ونشبوا الفتى قبل أن يرجع قال : فرماه إنسان فأقبل علينا بوجهه فقعد ، فقال علي : دونكم القوم ! قال جندب : فقتلت بكفي هذه بعد ما دخلني ما كان دخلني ثمانية قبل أن أصلي الظهر وما قتل منا عشرة ، ولا نجا منهم عشرة كما قال ( 1 ) . - الإمام علي ( عليه السلام ) - فيما أخبر به عن فتنة المغول - : كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة ، يلبسون السرق والديباج ، ويعتقبون الخيل العتاق ، ويكون هناك استحرار قتل حتى يمشي المجروح على المقتول ، ويكون المفلت أقل من المأسور ( 2 ) . - العلامة - في باب إخبار مغيبات أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ومن ذلك إخباره ( عليه السلام ) بعمارة بغداد وملك بني العباس وذكر أحوالهم وأخذ المغول الملك منهم رواه والدي ( رحمه الله ) ، وكان ذلك سبب سلامة أهل الحلة والكوفة والمشهدين الشريفين من القتل ، لأنه لما وصل السلطان هولاكو إلى بغداد قبل أن يفتحها هرب أكثر أهل الحلة إلى البطائح إلا القليل ، وكان من جملة القليل والدي ( رحمه الله ) والسيد مجد الدين بن طاووس والفقيه ابن أبي العز ، فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنهم مطيعون داخلون تحت الإيلية وأنفذوا به شخصا أعجميا . فأنفذ السلطان إليهم فرمانا مع شخصين أحدها يقال له : تكلم ، والآخر يقال له : علاء الدين ، وقال لهما : إن كانت قلوبهم كما وردت به كتبهم فيحضرون إلينا ، فجاء الأميران فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهى الحال إليه ، فقال والدي ( رحمه الله ) : إن جئت وحدي كفى ؟ فقالا : نعم ، فاصعد معهما . فلما حضر بين يديه - وكان ذلك قبل فتح بغداد وقبل قتل الخليفة - قال له : كيف أقدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا ما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم ؟ وكيف تأمنون إن صالحني ورحلت نقمته ؟ فقال له والدي : إنما أقدمنا على ذلك لأنا روينا عن إمامنا علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أنه قال في خطبه : " الزوراء وما أدراك ما الزوراء ؟ أرض ذات أثل ، يشيد فيها البنيان ، ويكثر فيها السكان ، ويكون فيها مهارم وخزان ، يتخذها ولد العباس موطنا ، ولزخرفهم مسكنا ، تكون لهم دار لهو ولعب ، يكون بها الجور الجائر والحيف المحيف والأئمة الفجرة والقراء الفسقة والوزراء الخونة ، تخدمهم أبناء فارس والروم ، لا يأتمرون بينهم بمعروف إذا عرفوه ، ولا ينتهون عن منكر إذا أنكروه ، تكتفي الرجال منهم بالرجال والنساء بالنساء ، فعند ذلك الغم

--> ( 1 ) كنز العمال : 31548 . ( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة 128 : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 8 / 125 ، انظر ذيل الكلام في حديث 15160 .