محمد الريشهري

1899

ميزان الحكمة

له ، وإنما النزاع في الإله بمعنى الرب المعبود ، والوثنيون على أن تدبير العالم على طبقات أجزائه مفوضة إلى موجودات شريفة مقربين عند الله ، ينبغي أن يعبدوا حتى يشفعوا لعبادهم عند الله ويقربوهم إليه زلفى ، كرب السماء ورب الأرض ورب الإنسان . . . وهكذا ، وهم آلهة من دونهم ، والله سبحانه إله الآلهة وخالق الكل ، كما يحكيه عنهم قوله : * ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) * الزخرف : 87 ، وقوله : * ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ) * الزخرف : 9 . والآية الكريمة إنما تنفي الآلهة من دون الله في السماء والأرض بهذا المعنى ، لا بمعنى الصانع الموجد الذي لا قائل بتعدده ، والمراد بكون الإله في السماء والأرض تعلق ألوهيته بالسماء والأرض لأسكناه فيهما ، فهو كقوله تعالى : * ( هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) * الزخرف : 84 . وتقرير حجة الآية : أنه لو فرض للعالم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتا متباينين حقيقة ، وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم ، فيتفاسد التدبيرات وتفسد السماء والأرض ، لكن النظام الجاري نظام واحد متلائم الأجزاء في غاياتها ، فليس للعالم آلهة فوق الواحد ، وهو المطلوب . فإن قلت : يكفي في تحقق الفساد ما نشاهده من تزاحم الأسباب والعلل ، وتزاحمها في تأثيرها في المواد هو التفاسد . قلت : تفاسد العلتين تحت تدبيرين غير تفاسدهما تحت تدبير واحد ، ليحدد بعض أثر بعض وينتج الحاصل من ذلك ، وما يوجد من تزاحم العلل في النظام من هذا القبيل ، فإن العلل والأسباب الراسمة لهذا النظام العام على اختلافها وتمانعها وتزاحمها لا يبطل بعضها فعالية بعض ، بمعنى أن ينتقض بعض القوانين الكلية الحاكمة في النظام ببعض ، فيتخلف عن مورده مع اجتماع الشرائط وارتفاع الموانع ، فهذا هو المراد من إفساد مدبر عمل مدبر آخر ، بل السببان المختلفان المتنازعان حالهما في تنازعهما حال كفتي الميزان المتنازعتين بالارتفاع والانخفاض ، فإنهما في عين اختلافهما متحدان في تحصيل ما يريده صاحب الميزان ، ويخدمانه في سبيل غرضه وهو تعديل الوزن بواسطة اللسان . فإن قلت : آثار العلم والشعور مشهودة في النظام الجاري في الكون ، فالرب المدبر له يدبره عن علم ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يفرض هناك آلهة فوق الواحد يدبرون أمر الكون تدبيرا تعقليا ، وقد توافقوا على أن لا يختلفوا ولا يتمانعوا في تدبيرهم حفظا للمصلحة ؟ ! . قلت : هذا غير معقول ، فإن معنى التدبير التعقلي عندنا هو أن نطبق أفعالنا الصادرة منا على ما تقتضيه القوانين العقلية الحافظة لتلائم أجزاء الفعل وانسياقه إلى غايته ، وهذه القوانين العقلية مأخوذة من الحقائق الخارجية والنظام الجاري فيها الحاكم عليها ، فأفعالنا التعقلية تابعة للقوانين العقلية وهي تابعة للنظام