محمد الريشهري
1898
ميزان الحكمة
فبعض التدبير وهو التدبير العام الكلي يعلو بعضا ، بمعنى أنه بحيث لو انقطع عنه ما دونه بطل ما دونه لتقومه بما فوقه ، كما أنه لو لم يكن هناك عالم أرضي أو التدبير الذي يجري فيه بالعموم لم يكن عالم إنساني ولا التدبير الذي يجري فيه بالخصوص . ولازم ذلك أن يكون الإله - الذي يرجع إليه نوع عال من التدبير - عاليا بالنسبة إلى الإله الذي فوض إليه من التدبير ما هو دونه وأخص منه وأخس ، واستعلاء الإله على الإله محال . لا لأن الاستعلاء المذكور يستلزم كون الإله مغلوبا لغيره ، أو ناقصا في قدرته محتاجا في تمامه إلى غيره ، أو محدودا والمحدودية تفضي إلى التركيب ، وكل ذلك من لوازم الإمكان المنافي لوجوب وجود الإله ، فيلزم الخلف - كما قرره المفسرون - فإن الوثنيين لا يرون لآلهتهم من دون الله وجوب الوجود ، بل هي عندهم موجودات ممكنة عالية فوض إليهم تدبير أمر ما دونها ، وهي مربوبة لله سبحانه وأرباب لما دونها ، والله سبحانه رب الأرباب وإله الآلهة وهو الواجب الوجود بالذات وحده . بل استحالة الاستعلاء إنما هو لاستلزامه بطلان استقلال المستعلى عليه في تدبيره وتأثيره ، إذ لا يجامع توقف التدبير على الغير والحاجة إليه الاستقلال ، فيكون السافل منها مستمدا في تأثيره محتاجا فيه إلى العالي ، فيكون سببا من الأسباب التي يتوسل بها إلى تدبير ما دونه ، لا إلها مستقلا بالتأثير دونه فيكون ما فرض إلها غير إله ، بل سببا يدبر به الأمر ، هذا خلف ( 1 ) . [ 2626 ] ما يلزم من تعدد الآلهة ( 2 ) الكتاب لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ( 2 ) . - الإمام الصادق ( عليه السلام ) - لما سئل عن الدليل على أن الله واحد ؟ - : اتصال التدبير ، وتمام الصنع ، كما قال الله عز وجل : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) * ( 3 ) . - عنه ( عليه السلام ) - في رسالة الإهليلجة - : فعرف القلب بعقله أنه لو كان معه شريك كان ضعيفا ناقصا ، ولو كان ناقصا ما خلق الإنسان ، ولا اختلفت التدابير ، وانتقصت الأمور مع التقصير الذي به يوصف الأرباب المتفردون والشركاء المتعاينون ( 4 ) . في تفسير الميزان في قوله تعالى : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) * : قد تقدم في تفسير سورة هود وتكررت الإشارة إليه بعده أن النزاع بين الوثنيين والموحدين ليس في وحدة الإله وكثرته بمعنى الواجب الوجود الموجود لذاته الموجد لغيره ، فهذا مما لا نزاع في أنه واحد لا شريك
--> ( 1 ) تفسير الميزان : 15 / 62 - 63 . ( 2 ) الأنبياء : 22 . ( 3 ) التوحيد : 250 / 2 . ( 4 ) نور الثقلين : 3 / 238 / 502 .