تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

392

محاضرات في أصول الفقه

أخف القبيحين وأقل المحذورين ، وبما أن ذلك منته إلى اختيار المكلف فلا ينافي استحقاق العقاب عليها . وعلى تقدير تسليم كونها مقدمة فقد عرفت أنها غير واجبة . ولو تنزلنا عن ذلك وسلمنا عروض الوجوب الغيري لها فمن الطبيعي أنه لا ينافي مبغوضيتها النفسية واستحقاق العقاب عليها إذا كان الاضطرار إليها بسوء الاختيار كما هو الحال في المقام ، ضرورة أن الوجوب الغيري لم ينشأ عن الملاك ومحبوبية متعلقه ليقال : إنها كيف تجتمع مع فرض مبغوضيتها في نفسها ؟ بل هو ناش عن مجرد صفة مقدميتها وتوقف الواجب عليها ، ومن المعلوم أنها لا تنافي مبغوضيتها النفسية أصلا . ومن ذلك يظهر حال المثالين المزبورين أيضا ، وذلك لأن العقاب فيهما ليس على التسبيب والإتيان بالمقدمة التي بها يضطر المكلف إلى شرب الخمر أو قتل النفس المحترمة . والوجه في ذلك : هو أن تلك المقدمة لو كانت محرمة في ذاتها ومبغوضة للمولى لاستحق العقاب على نفسها ، سواء أكانت مقدمة لارتكاب محرم آخر أم لا . وأما لو لم تكن محرمة بذاتها وكانت سائغة في نفسها فلا وجه لاستحقاق العقاب عليها أصلا ، بل يستحق العقاب - عندئذ - على ارتكاب المحرم : كشرب الخمر - مثلا - أو قتل النفس ، لفرض أن الاضطرار إلى ذلك منته إلى الاختيار ، بداهة أنه لو لم يكن هذا الشرب أو القتل الذي هو مقدمة لواجب أهم مبغوضا للمولى ، بل كان محبوبا له من ناحية عروض الوجوب الغيري له على الفرض لا معنى لاستحقاق العقاب على التسبيب إليه وكونه - أي : التسبيب - مبغوضا ومحرما ، لوضوح أن التسبيب إلى المحرم حرام ومبغوض ، لا التسبيب إلى غيره . وأما إذا فرض كون هذا الشرب أو القتل محبوبا فلا يعقل كون التسبيب إليه محرما ، وهذا واضح . فإذا لا مناص من الالتزام بكون العقاب على نفس هذا الشرب أو القتل باعتبار أن الاضطرار إلى ارتكاب ذلك منته إلى الاختيار فلا ينافي العقاب ،