تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

22

محاضرات في أصول الفقه

النسخ غير خفي أن الوجوب إذا نسخ فلا دلالة فيه على بقاء الجواز ، لا بالمعنى الأعم ولا بالمعنى الأخص ، والوجه في ذلك واضح ، وهو : أن ما توهم دلالته عليه لا يخلو من أن يكون دليل الناسخ أو دليل المنسوخ ، وشئ منهما لا يدل على هذا . أما الأول : فلأن مفاده إنما هو رفع الوجوب الثابت بدليل المنسوخ ، فلا يدل على أزيد من ذلك أصلا . وأما الثاني : فلأن مفاده ثبوت الوجوب وقد ارتفع على الفرض ، ولا دلالة له على غيره . ودعوى : أن الوجوب ينحل إلى جواز الفعل مع المنع من الترك ، فالمرفوع بدليل الناسخ إنما هو المنع من الترك ، وأما الجواز الذي هو بمنزلة الجنس فلا دليل على ارتفاعه أصلا ، فإذا لا محالة يكون باقيا خاطئة جدا غير مطابقة للواقع في شئ ، وذلك لأن دعوى بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل لو تمت فإنما تتم في المركبات الحقيقية كالإنسان والحيوان وما شاكلهما . وأما في البسائط الخارجية فلا تتم أصلا ، ولا سيما في الأحكام الشرعية التي هي أمور اعتبارية محضة وتكون من أبسط البسائط ، ضرورة أن حقيقتها ليست إلا اعتبار الشارع ثبوت الفعل على ذمة المكلف أو محروميته عنه . ومن هنا قلنا : إن الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة جميعا منتزعة من اعتبار الشارع بحكم العقل وليس شئ منها مجعولا شرعيا ، فالمجعول إنما هو نفس ذلك الاعتبار ، غاية الأمر إن نصب الشارع قرينة على الترخيص في الترك فينتزع العقل منه الاستحباب ، وإن لم ينصب قرينة عليه فينتزع منه الوجوب . وعلى ضوء هذا فلا يعقل القول بأن المرفوع بدليل الناسخ إنما هو فصل الوجوب دون جنسه ، ضرورة أن الوجوب ليس مجعولا شرعيا ليكون هو المرفوع بتمام ذاته أو بفصله ، بل المجعول إنما هو نفس ذلك الاعتبار . ومن الواضح جدا