تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
158
محاضرات في أصول الفقه
الثاني : الحكم العقلي ، ومن الطبيعي أن العقل إنما يحكم فيما إذا كان القيد خارجا عن الاختيار ، حيث إن عدم أخذه مفروض الوجود يستلزم التكليف بالمحال كما في مثل قوله تعالى : * ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ) * ( 1 ) ، فإن دخول الوقت حيث إنه خارج عن قدرة المكلف واختياره لا مناص من أخذه مفروض الوجود في مقام الإنشاء والخطاب ، وإلا لزم التكليف بغير المقدور ، وهو مستحيل . فالنتيجة : أن أخذ القيد مفروض الوجود في مرحلة الجعل والإنشاء إنما يقوم على أساس أحد هذين الأمرين ، فلا ثالث لهما . وأما في غير هذين الموردين فلا موجب لأخذه مفروض الوجود أصلا ، ولا دليل على أن التكليف لا يكون فعليا إلا بعد فرض وجوده في الخارج . ومن هنا قد التزمنا بفعلية الخطابات التحريمية قبل وجودات موضوعاتها بتمام القيود والشرائط فيما إذا كان المكلف قادرا على إيجادها ، مثلا : التحريم الوارد على شرب الخمر فعلي وإن لم يوجد الخمر في الخارج إذا كان المكلف قادرا على إيجاده بإيجاد مقدماته ، فلا تتوقف فعليته على وجود موضوعه . والسر في ذلك : ما عرفت ( 2 ) من أن الموجب لأخذ القيد مفروض الوجود : إما الظهور العرفي ، أو الحكم العقلي ، وكلاهما منتف في أمثال المقام . أما الأول : فلأن العرف لا يفهم من مثل " لا تشرب الخمر " أن الخمر اخذ مفروض الوجود في الخطاب بحيث تتوقف فعلية حرمة شربه على وجوده في الخارج ، فلا حرمة قبل وجوده ، بل المتفاهم العرفي من أمثال هذه القضايا هو فعلية حرمة الشرب مطلقا وإن لم يكن الخمر موجودا إذا كان المكلف قادرا على إيجاده بما له من المقدمات ، وهذا بخلاف المتفاهم العرفي من مثل قوله تعالى : * ( أوفوا بالعقود ) * كما عرفت ( 3 ) .
--> ( 1 ) الإسراء : 78 . ( 2 ) تقدم آنفا فلاحظ . ( 3 ) تقدم آنفا فلاحظ .