ابن إدريس الحلي

294

السرائر ( موسوعة إبن إدريس الحلي )

وعظيم المشقة في تحمّله ، فمتى تكاملت هذه الشروط فقد أذن له في تقلّد الحكم ، وإن كان مقلِّده ظالماً متغلّباً . وعليه متى عرّض لذلك أن يتولاّه ، لكون هذه الولاية أمراً بمعروف ونهياً عن منكر ، تعيّن فرضهما بالتعريض للولاية عليه ، وهو إن كان في الظاهر من قبل المتغلّب ، فهو في الحقيقة نائب عن وليّ الأمر عليه السلام في الحكم ومأهول له ، لثبوت الإذن منه ومن آبائه عليهم السلام لمن كان بصفته في ذلك ، فلا يحلّ له القعود عنه ، وإن لم يقلّد من هذه حاله النظر بين الناس ، فهو في الحقيقة مأهول لذلك باذن ولاة الأمر عليهم السلام ، وإخوانه في الدين مأمورون بالتحاكم وحمل حقوق الأموال إليه ، والتمكّن من أنفسهم لحدّ أو تأديب تعيّن عليهم ، ولا يحلّ لهم الرغبة عنه ، ولا الخروج عن حكمه . وأهل الباطل محجوجون بوجود مَن هذه صفته ، ومكلّفون الرجوع إليه وإن جهلوا حقه ، لتمكّنهم من العلم به ، لكون ذلك حكم الله سبحانه الذي تعبّد بقبوله ، وحظر خلافه ، ولا يحلّ له مع الاختيار وحصول الأمن من مضرّة أهل الباطل ، الامتناع من ذلك ، فمن رغب عنه ولم يقبل حكمه من الفريقين ، فعن دين الله سبحانه رغب ، ولحكمه سبحانه ردّ ، ولرسول الله عليه السلام خالف ، ولحكم الجاهلية ابتغى ، وإلى الطاغوت تحاكم . وقد تناصرت الروايات عن الصادقين عليهم السلام بمعاني ما ذكرناه ، فروي عن أبي عبد الله عليه السلام انّه قال : “ أيّما رجل كان فيما بينه وبين أخ له مماراة في حق فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه ، فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء ، كان بمنزلة الذين قال الله ( عزّ وجل ) : * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا به ) * “ ( 1 ) .

--> ( 1 ) - النساء : 60 ، والحديث في الكافي 2 : 358 ، والفقيه 3 : 2 ، والتهذيب 6 : 220 .