ابن إدريس الحلي

293

السرائر ( موسوعة إبن إدريس الحلي )

واعتبرنا العلم بالحكم لما بيّنّاه من وقوف صحّة الحكم على العلم ، لكون الحاكم مخبراً بالحكم عن الله تعالى ، ونائباً في إلزامه عن رسول الله عليه السلام ، وقبح الأمرين من دون العلم . واعتبرنا التمكّن من إمضائه على وجهه ، من حيث كان تقليده الحكم بين الناس مع تعذّر تنفيذ الحق يقتضي الحكم بالجور فيه ، وهو مع كونه كذلك ينافي الحكم بغير علم . واعتبرنا اجتماع العقل والرأي لشدّة حاجة الحكم إليهما وتعذّره صحيحاً من دونهما . واعتبرنا سعة الحلم لتعرّضه بالحكم بين الناس ، للبلوى بسفهائهم ، فيسعهم بحلمه . واعتبرنا البصيرة بالموضع ، من حيث كان الجهل بلغة المتحاكمين إليه يسدّ طريق العلم بالحكم عنده ، ويمنع من وضعه موضعه . واعتبرنا الورع من حيث كان انتفاؤه لا يؤمن معه الحيف في الحكم ، لعاجل رجاء ، أو خوف من غيره سبحانه . واعتبرنا الزهد لئلاّ تطمح نفسه إلى ما لم يؤته الله ، فيبعثه ذلك على تناول أموال الناس لقدرته عليها ، وانبساط يده بالحكم فيها . واعتبرنا التديّن من حيث كان تقليد الحكم رياسة دنيوية ، أو الاستعلاء على النظراء ، أو المعيشة ، ولا يؤمن معه جوره ولا ينفى ضرره . واعتبرنا القوّة وصدق العزيمة في تنفيذ الأحكام ، من حيث كان الضعف مانعاً من تنفيذ الحكم على موجبه ، ومقصّراً بصاحبه عن القيام بالحق ، لصعوبته