ابن إدريس الحلي

471

المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي )

والتأمل لذلك ، فلما غابت وأفلت وعلم أنّ الأفول لا يجوز على الله ، علم أنّها محدثة متغيره لتنقلها ، وكذلك كانت حاله في رؤية القمر والشمس ( 1 ) . وقال في آخر كلامه : * ( إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * وكان هذا القول منه عقيب معرفته بالله ، وعلمه بأنّ صفات المحدثين لا تجوز عليه ( 2 ) . فإن قيل : كيف يجوز أن يقول : هذا ربي مخبراً ؟ وهو يجوّز أن يكونَ مخبرُه لا على ما أخبر ، لأنّه غير عالم بذلك ، وذلك قبيح في العقول ، ومع كمال عقله لا بد أن يلزمه التحرز من الكذب ؟ ( 3 ) . قلنا عن ذلك جوابان : أحدهما : أنّه قال ذلك فارضاً مقدراً لا مخبراً ، بل على سبيل الفكر والتأمل ، كما يقول الواحد منّا لغيره إذا كان ناظراً في شيء ومحتملاً بين كونه على احدى صفتيه : أنا أفرضه على أحدهما ، لننظر فيما يؤدّي ذلك الفرض إليه من صحة أو فساد ولا يكون بذلك مخبراً ، ولهذا يصحّ من أحدنا إذا نظر في حدوث الأجسام وقدمها أن يفرض كونها قديمة ، ليبيّن ما يؤدّي إليه ذلك الفرض من الفساد ( 4 ) . والثاني : أنّه أخبر عن ظنه وقال : يجوز أن يكون المفكر المتأمل ظاناً في حال نظره وفكره ما لا أصل له ، ثم يرجع عنه بالأدلّة والعلم ، ولا يكون ذلك منه قبيحاً ( 5 ) .

--> ( 1 ) - نفس المصدر . ( 2 ) - نفس المصدر . ( 3 ) - نفس المصدر . ( 4 ) - نفس المصدر . ( 5 ) - قارن 4 : 198 .