ابن إدريس الحلي
472
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي )
فإن قيل : ظاهر هذه الآيات يدلّ على أنّ إبراهيم ما كان رأى هذه الكواكب قبل ذلك ، لأنّ تعجّبه منها تعجّب من لم يكن رآها ، فكيف يجوز أن يكون إلى مدّة كمال عقله لم يشاهد السماء وما فيها من النجوم ( 1 ) . قلنا : لا يمتنع أن يكون ما رأى السماء إلا في ذلك الوقت ، لأنّه روي أنّ أمه ولدته في مغارة لا يرى السماء ، فلما قارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج من المغارة ورأى السماء وفكّر فيها ، وقد يجوز أيضاً أنّه رآها ، غير أنّه لم يفكّر فيها ولا نظر في دلائلها ، لأنّ الفكر لم يكن واجباً عليه ، فلما كمل عقله وحرّكته الخواطر فكّر في الشيء الّذي كان يراه قبل ذلك ولم يكن مفكراً فيه ( 2 ) . والثالث : أنّ إبراهيم لم يقل ما تضمّنته الآيات على وجه الشك ، ولا في زمان مهلة النظر ، بل كان في تلك الحال عالماً بالله وبما يجوز عليه ، وأنّه لا يجوز أن يكون بصفة الكواكب ، وإنّما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه ، والتنبيه لهم على أنّ ما يغيب وينتقل من حال إلى حال ، لا يجوز أن يكون إلهاً معبوداً ، لثبوت دلالة الحدث فيه ( 3 ) ، ويكون قوله : * ( هَذَا رَبِّي ) * محمولاً على أحد وجهين : أحدهما : أي هو كذلك عندكم وعلى مذهبكم ، كما يقول أحدنا للمشبه على وجه الإنكار عليه : هذا ربه جسم يتحرك ويسكن ، وإن كان عالماً بفساد ذلك ( 4 ) .
--> ( 1 ) - نفس المصدر . ( 2 ) - نفس المصدر . ( 3 ) - نفس المصدر . ( 4 ) - نفس المصدر .