ابن إدريس الحلي
451
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي )
فصل قوله تعالى : * ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ { 23 } انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ { 24 } ) * الآيتان : 23 24 . فإن قيل : كيف قالوا وحلفوا أنّهم ما كانوا مشركين وقد كانوا مشركين ؟ وهل هذا إلا كذب ؟ والكذب قبيح ، ولا يجوز من أهل الآخرة أن يفعلوا قبيحاً ، لأنّهم ملجؤون إلى ترك القبيح ، لأنّهم لو لم يكونوا ملجئين وكانوا مختارين وجب أن يكونوا مزجورين عن فعل القبيح ، وإلا أدّى إلى اغرائهم بالقبيح وذلك لا يجوز ، ولو زجروا بالوعيد عن القبائح لكانوا مكلّفين ، ولوجب أن يتناولهم الوعد والوعيد ، وذلك خلاف الإجماع ، وقد وصفهم الله تعالى أيضاً بأنّهم كذبوا على أنفسهم ، فلا يمكن جحد أن يكونوا كاذبين ؟ فكيف يمكن دفع ذلك ؟ وما الوجه فيه ؟ ( 1 ) والجواب عن ذلك من وجوه : أحدها : ما قاله البلخي : انّ القوم ما كذبوا على الحقيقة ، لأنّهم كانوا يعتقدون أنّهم على الحق ، ولا يرون أنّهم مشركون كالنصارى ومن أشبههم ، فقالوا في الموقف « ذلك » وقبل أن يقع بهم العذاب ، فيعلموا بوقوعه أنّهم كانوا على باطل فيقولوا : * ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) * وهم صادقون عند أنفسهم ، وكذّبهم الله في ذلك ، لأنّ الكذب هو الإخبار بالشيء لا على ما هو
--> ( 1 ) - قارن 4 : 105 .