عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
96
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
الفوت ، ويغتسل بعد ذلك من ماء عين الندامة بقصد العزلة في كهف جبل الانقطاع أيسًا من الأنس بما دون الله تعالى ، ويشرب من ماء شحوم حنظل الصبر ، ويستنشق بدهن أشجار الحزن ، ويطعم من صحيح غذاء التوكل ، ثم يكتحل بقشر عود الغرام ، ولا ينام بعد ذلك حتى ينظر أنوار أثمار أشجار التوفيق ، ثم يجلس على بساط قدم الصدق والتصديق منتظرا لما يرد من عجائب إبريز التحقيق ، وصحيح حلول الفقر والعجز والافتقار الذي أنعم به تعالى به النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ونعم الرقيق ، فحينئذ يبرأ العليل ، ويرجع إلى ما كان عليه خلقه أول مرة ، فيكون حياته لله ، وموته لله لا لنفسه بذلك جرى قلم الحكيم القديم المتفضل بالتأبيد في محل الحضرة على المنهج العبدي ، والقانون الفقري الذي وجب أن لا يكون الفقر أزلاً وأبداً لنفسه ، وجرى الآن لسان الفقر لوجوب ترك التدبير لصحة الإرادة ، وتلقي ما يرد لصحة الرضاء ، والتزام ما لا يلزم حبا لله وشوقا إليه كما قد وجب على من يعيده فإذا التزم ما لا يلزم صفات الحق للحق وأوصله إلى علم أنه يصل به ، فيكون الحق أوصله لا هو وصل ، وبعد وجود ما يجب أيضًا على المريد اتيانه علمًا ورسمًا يظهر علوم أزلية يتعلق بصفة القديم المتفضل القدوس لا يعرف العالم بها إن الله تعالى يعصى أو يتعدى أحد مراده ، والله بكل شيء عليم . قلت وآخر كلامه هذا يشبه قوله أيضا : كل خيال نقاب لوجه الأمر العزيزي ، والأمر العزيزي نقاب لجلال الله ، وجمال سبحات وجه الله الكريم فرضًا لأن لا يبرز من ذلك الجلال ذرة ، فلا يبقى أحد من الثقلين ، ولا من سواهما يعرف لله تعالى طاعة ولا عصيانًا قلت : وقد أشرت إلى ما يظهر من معناه ، والله أعلم في ترجمة الشيخ عبد القادر في سنة اثنتين وستين وخمس مائة . وقال أيضاً : أن الحس والمحسوس حجاب عن الله تعالى فإذا ظهر سلطان حب الله تعالى بنور حياة القلب بالله أحرق حراريق الهوى بنار سلطانه الذي لا يقدر أحد أن ينفيه . وقال أيضًا : إذا طلعت شمس من أفق قبلة الغيب إلى الأفق الأعلى أخذ كل من في الأفق الأدنى نصيبه من شعاعها ، وليس كل مدرك بالحسن هو هي ، فأما إذا طلعت من كل مكان ، وانتفت روية التعاقب عنا يقينًا لم يبق ليل ولا نهار ، ولم يبق كفر ، ولم يبق اسلام ، ووجب حينئذ ظهور الشيء الذي حالت بيننا وبين الأحوال ، وكثرت المقالات ، والأفعال كما يحول السحاب يقيناً ، فإذا لم يبق حائل ظهر الشيء الذي لا يشبه شيئًا وغبنا عنا ، وصرنا كالنجوم عند طلوع الشمس لا غياب بشرط الفناء ولا حضور شرط البقاء ، فإن كنت هاهنا رأيت ما رأينا وإن لم تر شيئا فكن حجراً صماً يدق بك النوى . وقال أيضاً : إذا اختلط ماء الأمطار بماء البحر ، كان منه الدر واللؤلؤ والياقوت الأحمر